ماذا كسب حزب الله .. وماذا خسر من استخدام سلاح المقاومة في صراعات الداخل؟

كتبهاالعنقاء ، في 14 مايو 2008 الساعة: 05:06 ص

بمعارك بيروت والجبل والشمال يكسب حزب الله نقطة مهمة في صراع السلطة بتراجع نفوذ خصومه الحريري والسنيورة وجنبلاط وجعجع ..وتهدأ مخاوفه من احتمالات مشاغلته من الخلف وهو يواجه عدوا إسرائيليا يطلب رأسه، ولا يخفي حسرته علي ما حدث في بيروت، وعدوا أمريكيا يستعرض بوارجه قرب شواطئ لبنان ويضيف إليها المدمرة كول التي عبرت قناة السويس في طريقها إلي المتوسط.
لكن حزب الله يخسر نقطة مهمة في تحويل وجهة سلاح المقاومة لحسم معارك الداخل ويخسر نقاطا في سمعته ومكانته كرمز للمقاومة كان له كل الحق أن يرفض قرارا يمس سلاحه دون أن يستقوي بهذا السلاح (سلاح المقاومة وكل الشعب) نفسه لإسقاط القرار وأمامه فرص الضغط الجماهيري وحشد المظاهرات المليونية وحتي فرض الأمر الواقع بالنفوذ المعنوي للسلاح، دون الهجوم علي المقرات الحزبية وتطويق بيوت الزعامات وتحطيم وحرق الجهاز الإعلامي لتيار المستقبل، وإلقاء عود ثقاب علي برميل بارود يمكن أن ينفجر ليذكي مشاعر مذهبية وطائفية ومناطقية ويأخذ في طريقه كل لبنان..
ورغم كل ما يقال من أن عملية حزب الله كانت خاطفة ومحسوبة ولا ترقي إلي مستوي الحرب الأهلية إلا أنها انتهاك لقدسية وحرمة السلاح، تتيح لخصومه فرصة إضافية للمطالبة بتدويل الأزمة والنيل من مشروعية سلاح المقاومة بتصنيفه كسلاح ميلشياوي يهدد الدولة المدنية والتعددية والتنوع الذي طالما فاخر به لبنان الأمم عندما أتيح له أن ينعم بفترات قصيرة من السلم الاهلي أو الهدنة الهشة.
كان يمكن لحزب الله أن يضبط أعصابه رغم التصعيد الاستفزازي لجماعة السلطة علي الاخص، إن صح ما ذكرته رئاسة مجلس النواب من أن الحكومة أرسلت قرارا بتفكيك شبكة اتصالات حزب الله إلي السكرتير العام للامم المتحدة في مؤشر علي توجه لتدويل الازمة بالاستقواء بالخارج.
وهي الشبكة التي يعتبرها حزب الله سلاح إشارته وقد تضمن التحالف الرباعي الذي خاض الانتخابات النيابية الاخيرة الحفاظ علي سلاح المقاومة، كما تضمنه البيان الوزاري لحكومة السنيورة، بما يوجب حساسية خاصة في معالجة هذا الأمر سواء بحساب التعهدات والالتزامات السابقة أو بحسابات القوي في وضع ملغوم.
والحقيقة أن أزمة القرار الحكومي وأزمة السلاح هي امتداد لحالة ازدواج سلطة قائمة علي هدنة هشة وحرب باردة واستقطاب حاد انتقل من الكلام إلي بارود بين اللبنانيين وخلق في لبنان واقعا جديدا.

أحزاب وميلشيات

ومهما يكن من أمر فإنه لا يبدو أن هناك في المدي المباشر ما يهدد مكسب حزب الله فالاستقطاب اللبناني الحاد يعرقل قدرة الأطراف اللبنانية المشهورة بقوي الموالاة علي قلب الميزان الان.. والمستقبل سوف يتوقف علي قدرة الحزب علي إعادة السلاح لوجهته الاصلية وتبديد كل ما أثير من مخاوف حول تسلط السلاح.. وقدرة الشعب اللبناني كله علي تصفية الوضع الميلشياوي للأحزاب التي يتوافر في معظمها السلاح بأكثر من البرامج والكتب والادبيات!
وإذا لم يكن في الوضع اللبناني ما يمكن أن يهدد الآن مكسب حزب الله فإن الأوضاع الاقليمية والدولية لا تحمل تيارا معاكسا حيث لا تملك واشنطون وتل أبيب القدرة الانية علي وقف تقدم حزب الله.
ويلخص مراسلا صحيفة هاآرتس للشئون العسكرية، عاموس هرئيل، وللشئون الفلسطينية، آفي سخاروف، هذا الواقع بقولهما إن التطورات اللبنانية الأخيرة جاءت في وقت غير مريح لإسرائيل المشغولة بقضية اولمرت واحتمالات انتخابات مبكرة وتهديدات غزة.

قبل النهاية

ووفقا لتقديرات محلل الشئون العسكرية والأمنية في صحيفة يديعوت أحرونوت، أليكس فيشمان، المقرب من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فإن الوضع الراهن مختلف عن الوضع الذي واجهته إسرائيل عام 1982 (الذي غزت فيه لبنان للقضاء علي نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية) فلا توجد لدينا أي رغبة أو قدرة علي التدخل. كذلك ليس لدينا أي حليف قوي في لبنان، وهكذا فإنه لا شيء سيساعدنا”.
وأضاف فيشمان أن رئيس الحكومة اللبنانية، فؤاد السنيورة، ورئيس تيار المستقبل والأغلبية في البرلمان، سعد الحريري، “اللذان يترأسان التحالف الذي طرد السوريين من لبنان، يلتقطان الآن أنفاسهما الأخيرة في التاريخ الإقليمي، وهما يعرفان ذلك”.

خديعة أمريكية

وقال فيشمان “إنهما وصلا إلي هذا الوضع لأسباب عدة، بينها السياسة الأمريكية المعوجة التي تنتهجها كوندوليزا رايس: فمن جهة، منعت الإدارة الأمريكية السنيورة، طوال أشهر أزمة الرئاسة، من التوصل إلي تسويات كان بإمكانه تحقيقها، مع حزب الله. لكن من الجهة الأخري، لم توفر (أمريكا) الدعم العسكري والسياسي الضروري لمواجهة التحالف الإيراني- السوري. وعندما تصل الأمور لامتحان القوة فإن الأمريكيين ليسوا موجودين هناك”.
ورأي فيشمان أنه “هكذا تماما تصرف الأمريكيون أيضا مع الشيعة في العراق بعد حرب الخليج الأولي، فقد دعوهم إلي التمرد ضد صدام (الرئيس العراقي السابق صدام حسين) وبعد ذلك تخلوا عنهم وتركوهم يواجهون مصيرهم وحدهم”.

قفزة للمجهول

ورغم أن فيشمان خص السنيوره وحده بالوقوع ضحية لوعود أمريكية كاذبة إلا أنه سبق لتيمور وليد جنبلاط أن وجه نقدا مماثلا لوالده وليد بك الذي كان يملي عليه السفير الأمريكي كل يوم تصريحات ضد سوريا وحزب الله بادعاء تبييض صفحته أمام صناع القرار في البيت الأبيض من ماضيها الملوث بعلاقاته بدمشق.. وبادعاء أنه لن تطلع شمس عام 2006 إلا وقد ذهب النظام السوري إلي مزبلة التاريخ، فقفز وليد- وفقا لنقد ابنه تيمور- إلي المجهول معرضا مصالح الدروز للخطر .. بينما كان ميشيل عون الذي خصم سوريا في عز مجدها في لبنان أكثر وعيا وحصافة فحمي مصالح الموارنة.

أوراق دمشق

وإذا تركنا تقديرات فيشمان لاستبعاد احتمالات التدخل الأمريكي أو الإسرائيلي- وهي تقديرات علي الأرجح صحيحة فكل من واشنطون وتل أبيب لديها هموم قد لا ترغب في إضافة ملف جديد إليها- يمكننا أن نري أن سوريا أيضا كسبت نقطة مهمة في الصراع الإقليمي، فبينما تواصل لعب دور الممانعة تملك بعض الأوراق المهمة بالاعتماد علي سلاح حزب الله علي حدود إسرائيل الشمالية وسلاح حماس علي حدودها الجنوبية، بينما أبو مازن معزول في رام الله والسنيورة في مقر الحكومة المحاصر بوسط بيروت.
وباختصار فإن واشنطن تكرر القصة المعادة في خذلان حلفائها ولو ابتعدا عنها لأمكنهما التأثير في الأحداث بصورة أكثر إيجابية.

غزة وبنت جبيل

و قد يساعد هذا التطور علي تعزيز مكانة سوريا وكسر عزلتها- حال اعتماد التسويات السياسية- وقد يعزز نفوذ دمشق الجديد من “احتمالات الخيار السوري” في توجهات السياسة الإسرائيلية، فعبر بوابة دمشق يمكن أن تهدأ غزة وبنت جبيل!
فعودة إلي فيشمان يري “أن لإسرائيل اليوم مصالح واضحة في تحقيق استقرار علي الحدود مع لبنان، ألا يتحول لبنان إلي قاعدة إيرانية. وهذه المصالح بالإمكان تحقيقها بطرق سياسية، مثل التفاوض مع سورية. إلا أن الأمريكيين لا يسمحون لنا بالحديث مع سوريا حول لبنان، والمشكلة أن مثل هذه المفاوضات ستكون طويلة، فيما التطورات السياسية في لبنان قد تحدث بسرعة. ويوجد بالطبع طرق عسكرية، لكن ثمة شك فيما إذا كان أحد ما يريد أن يكسر القاعدة الإيرانية في لبنان بواسطة قوة عسكرية”.

وساطات تركية

ومعروف أن معلومات كثيرة توافرت حول وساطة تركية فعَّالة في فتح قنوات للتفاوض السوري الإسرائيلي، كما ترددت معلومات عن مرونة إسرائيلية أكبر في التعامل مع الجولان.
والمسألة هي: هل يؤدي تعزيز دور دمشق إلي تراجع دور طهران باعتبار أن صفقة الجولان قد تشمل علاقات سوريا العربية والإقليمية والدولية وعلي الأخص مع طهران وحزب الله؟
الحقيقة أن مثل هذه المساومات لا تزال بعيدة لأسباب تتعلق بالزمن الضروري لإنجاز تسوية تفاوضية، من جهة، وبالأوراق التي تملكها دمشق من جهة أخري، فهي تتفاوض من مركز قوة وتملك أوراقا متنوعة قد تبدل بينها عندما يأتي أوان المساومة.

علي شواطئ المتوسط

إذن فإن الحاصل هو تقدم إيراني في المدي المباشر يتسع نطاقه في المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان)
ولا يمكن مواجهة العناصر السلبية لهذا التقدم إلا بمشروع غير المشروع الأمريكي .. والحقيقة أن خيبة المشروع الأمريكي ومن يسيرون في فلكه هي سر التقدم الإيراني.
وبصرف النظر عن التهويل فإن ما قاله بيريز عن اقتراب إيران من البحر المتوسط (يقصد شواطئ غزة وبيروت) يمكن أن يؤخذ علي محمل الجد!
ويذهب فيشمان إلي مثل هذا التقدير”إسرائيل لن تتأثر من سقوط حكومة السنيورة. فالنفوذ الإيراني سيستمر بوجوده أو بدونه. وحزب الله هو الذي سيقرر متي سيسخن الحدود، ولهذا القرار علاقة مباشرة مع محاولات الإيرانيين الحصول علي سلاح نووي. وكلما اقتربت إيران من الحصول علي سلاح نووي، يبدأ الوقت بالضغط علي إسرائيل، لأن قاعدة إيرانية في لبنان تعني وجود قاعدة لتدمير إسرائيل”
وإذن فإن رأس حزب الله مطلوب أمريكيا وإسرائيليا.. لكن هزيمة إسرائيل في الحرب الأخيرة و”مشاغل” أمريكا في العراق وافغانستان وضرورة استكمال الاستعدادات جعلت الوقت يداهمهم وهم مشغلون بملفات أخري، مكتفون باستعراض البوارج قرب الشواطئ واشعال حرب باردة علي الأرض لقتل الوقت بين سلم غير مرغوب وحرب غير مأمونة وكانت النتيجة أن أضاعوا حلفاءهم!
خذلتهم أمريكا
وعلي الجانب الآخر فإن تطورات لبنان هي علامة أخري علي تراجع محور “الاعتدال العربي”
ووفقا لتقدير رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية فقد تلقي المعتدلون العرب ضربة أخري في بيروت في الأيام الأخيرة .. ويوافقه الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي الذي قال إن جهود ثلاث سنوات من عمل أجهزة المخابرات العربية والدولية في بيروت ضاعت في ليلة واحدة!

معادلة جديدة

وإذا كانت موازين القوي قد انقلبت في لبنان بصورة وضعت خطاً أحمر علي اقتراب الدولة من سلاح حزب الله وترتيب أوضاع الزعامات ونفوذ البيوتات، فإن لبنان بصيغته الفريدة غير قابل للاحتكار أو إلغاء طائفة أو حزب أو تيار دون انفجار يعصف بلبنان وبكل أطرافه ومن يتسلط بمنطق الاستقواء بالخارج أو بمنطق السلاح.
ومن هنا فإن احتمالات التسوية في لبنان اليوم، ليست أبعد مما كانت عليه في أي يوم .. واحتمالاتها تلوح بعودة الحكومة عن قراراتها وعودة المسلحين إلي “الثكنات” وعودة السلاح،مرة أخري وإلي الأبد، إلي وجهته الأصلية
وعودة العقل إلي كل الاطراف.. فالبروفة التي جرت قد تنبه إلي مصير الدمار الأسود الذي يمكن أن يطول الجميع لو لم يرفعوا أيديهم عن الزناد ولو لم يميزوا بين دور الأحزاب ودور الميليشيات .. وبين سلاح المقاومة وأشكال التعبير الديمقراطي التي يحتاجها اليوم أكثر ما يحتاجها لبنان

منقول من جريدة البديل

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ماذا كسب حزب الله .. وماذا خسر من استخدام سلاح المقاومة في صراعات الداخل؟”

  1. الاخت العنقاء

    حزب الله خسر الكثير من الشعبية والجماهيرية التي بناها منذ انتصاره الاول على الكيان الصهيوني وتحرير الجنوب من دنس الاحتلال .

    ولكن حزب الله ليست له سياسة واضحة يتبعها فقط ينفذ ما يطلبه منه الولي الفقيه الذي يربض على حدود العراق الجنوبية

    هو ينفذ اواوةر الولي الفقيه . لا تنسي ان هناك تداخلا جديدا على الخط اللبناني وتيار قوي 14 اذار هو السعودية المؤيدة للسنيورة وقوى المولاة كما تسمى دمت بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر