النسخ….ليس تحريفا للقرآن(2)

كتبهاالعنقاء ، في 13 أكتوبر 2006 الساعة: 01:15 ص

 ا.د.طه جابر العلواني

ومع ذلك أيَّد الله -تبارك وتعالى- بكل ما أيَّد عباده المؤمنين به. 5. قوله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ (المجادلة: 12-13). ذهب جمهرة العلماء إلى أن الآية الأولى منسوخة، واختلفوا في ناسخها، فروى الطبري وابن عباس أنها نسخت بالزكاة، وروى عن عكرمة والحسن البصري أنها نسخت بالآية التالية لها، كما أنهم اختلفوا في وقت النسخ، فقال أبو حيان: إن هذا الحكم نسخ قبل العمل به، وقال قتادة: عمل به ساعة من نهار، وقال مقاتل: عمل به عشرة أيام، فانظر الطبري ( 28 /15)، وأبو حيان في البحر (8/237). وأما الإمام الرازي فقد علل الأمر بتقديم الصدقة بأن الحاجة كانت ماسة إلى تمييز المنافقين عن المؤمنين، فإن المنافقين لا يتوقع منهم أن يقدموا صدقة ليناجوا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وعللها آخرون بأن الله -سبحانه وتعالى- رأفة بنبيه الذي أكثر الناس عليه، وكان كل منهم يحرص على مناجاته أنزل هذا الأمر نوعا من التقييد لذلك، ولهم في ذلك أقوال كثيرة وتعليلات مختلفة، ومنها أن الصدقة التي أمر بها أمر بها على سبيل الاختيار والندب، وأنها غير محددة المقدار ولا النوع، ويمكن أن تكون ذكرا –أي أمرًا معنويا- ويمكن أن تكون أمرا ماديا، وأن الذي أثار شبهة النسخ في هذه الآية هو تصور أن الله -تبارك وتعالى- أراد أن يؤدِّب الناس ليعاملوا رسوله الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تعامل الشعوب من حول الجزيرة ملوكها وأباطرتها ليدركوا هيبتهم وعظمتهم، وعدم سهولة الوصول إليهم، وهذا أمر لا يمكن أن يكون مقصودا للشارع الحكيم الذي ميَّز بين رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبين أولئك الملوك والحكام، ولكن لا يبعد -بالرغم من ذلك- أن يقيس الناس النبي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على من حولهم من عظماء، ألم يقل مشركو مكة } لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ{ ( الزخرف: 31) فكأنه قيل: إنَّ هذا النبي الكريم أعظم من كل أولئك الذين يشيرون إليهم، وفي تقديم الصدقة قبل مناجاته - صلى الله عليه وآله وسلم- إعداد وتربية للجماعة المؤمنة على أفضل أنواع السلوك معه بأن لا ينادوه من وراء الحجرات، وأن يلتزموا أرقى أنواع السلوك في تعاملهم معه، فإنه حتى لو قدموا بين يدي نجواهم صدقات فليس ذلك بكثير عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- خاصة وأن فوائد ذلك إنما تعود عليهم أولا وآخرا، ففقراؤهم هم المستفيدون بتلك الصدقة، وقوله تعالى } فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ{ ليست بناسخة لما سبقها، بل هي محكمة إحكامها، ومتممة لمعانيها، فإن كثيرا من الناس قد أشفقوا على أن ذلك قد يحرمهم من مناجاة نبيهم الذي هو أحب إليهم من نفوسهم لقلة ذات اليد(52) وقد يستأثر بملاقاته ومناجاته الأغنياء، ولذا قال تعالى }أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ {ثم أردفها بقوله -جل شأنه- (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) فكأنَّه أراد أن يقول إذا كانت الصدقة فيها نوع من الإثبات والدليل على حبكم للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- واحترامكم له، فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله تطهركم وتزكيكم وتجعلكم مؤهلين لمناجاته -عليه الصلاة والسلام- فإنها نوع من اتباعه -صلى الله عليه وآله وسلم- التي تدل على محبتهم المشار إليها في قوله تعالى: } قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ{ (آل عمران: 31) – ففيها معنى عميق كالمعنى المشار إليه في فهم القرآن الكريم كما قال -جل شأنه-: }لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ{ (الواقعة: 79) فالاستفادة بمناجاته -صلى الله عليه وآله وسلم- لا تحصل إلا لقوم تزكوا وتطهروا وتهيئوا لملاقاة المتلقي الأول لكتاب الله -جل شأنه- ففي الآيتين معا تهيئة نفسية على أعلى مستوى لأولئك الذين يريدون مناجاة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ويتأثرون بصحبته ويستفيدون بها، وإذا كانت الصدقة الماديّة قد تكون وسيلة لتمييز المنافق الذي أحضرت نفسه الشح، والذي لا يرى أهمية لمناجاته لرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو غير مؤمن به فإن المؤمنين لا يأتون إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا بقلب سليم تطهره مختلف أنواع وسائل التزكية والتطهير، فلا ناسخ ولا منسوخ بين الآيتين، وجنس ذلك مراعى في الآداب التي علَّم الله المؤمنين عليها، والآداب التي أمرنا بالتحلي بها عند مقاربة القرآن أو مقاربة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، لكن العقل الفقهي يحرص على الدوام أن يترجم كل شيء إلى حلال وحرام، وأمر ونهي، وناسخ ومنسوخ، وعمليات بناء الأمم وتربيتها لا تتوقف على التقنين الفقهي وحده. وإذا صحت الآثار التي نقلها بعض المفسرين بأن هذا الأمر قد أريد به تمييز المنافقين عن المؤمنين فإنه لا يعارض ما ذكرنا -بل يعززه- لأن الله - تبارك وتعالى- حين أمر رسوله بأخذ الزكوات علل ذلك بقوله جل شأنه } خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ{ (التوبة: 103) ويكون الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى بمثابة القيام بالتزامات لا بد من الوفاء بها قبل لقاء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- التي يحدث بها تطهيرهم وتزكيتهم وصلاته عليهم، فأمروا بالتطهر وتهيئة القلوب والعقول والنفوس للقاء رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بحيث يكونون مؤهلين لاستغفاره لهم، وصلاته عليهم، وتعليمهم وتزكيتهم وتطهيرهم. فالمقصود هو التطهر قبل المناجاة، وهو قصد يمكن تحققه بكل أنواع العبادة، صدقة أو صلاة أو ذكرًا. وحينما ننظر إلى كل تلك الآيات وترابطها فإننا لا نجد أنفسنا بحاجة إلى الاقتراب من القول بالنسخ أو مجرد إثارته بفضل الله. ومفهوم `الصدقة` مفهوم واسع جدًا فالكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، والكد على العيال صدقة. ويبدو أن البعض قد ذهبت أوهامهم إلى أن الأمر منصرف إلى صدقة المال بخصوصها فحصل لديهم شيء من الإشفاق بأن ذلك قد يحول بين الفقراء، ومناجاته -صلى الله عليه وآله وسلم- فطمأنهم القرآن بأن الله –جل شأنه- يتوب عليهم، ويطهرهم بأي نوع من البر يفعلونه، ويعدهم نفسيا لمناجاة رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- بحيث يتلقون ما يتلقونه منه بالجدية اللازمة. والله أعلم. 6- قوله تعالى } يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{ (المزمل: 1-4). زعم القائلون بالنسخ أن هذه الآيات الثلاث قد نسخت بقوله تعالى }إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (المزمل:20). واختار القول بالنسخ ابن سلامة وابن حزم والخازن والكلبي والفيروز آبادي والشنقيطي وبعض المحدَثين مستدلِّين بروايات عن عائشة وابن عباس والحسن وعكرمة ومقاتل والشافعي وابن كيسان. ورد القول بالنسخ الحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والطبرسي وآخرون. ووقف مجموعة من المفسرين موقف الحيدة بين الفريقين فلم يذهبوا إلى القول بالنسخ ولم يردوه، ويمكن أن نضع من بين هؤلاء الماوردي والزمخشري والرازي والقرطبي والبيضاوي والنيسابوري والبغوي والألوسي والشوكاني ومن إليهم. ومن بين هؤلاء أناس لم يشيروا إلى قضية النسخ في هذه الآيات ومنهم الإمام الطبري وابن العربي وأبو حيان وابن كثير وغيرهم. ونحن لا نرى ما يسوغ الحديث عن وقوع نسخ بين الآيات الثلاث المذكورة، وما زعم أنَه ناسخ لها } إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ…{ ذلك أن كل ما في الأمر أن هذه الآيات من أوائل آيات القرآن الكريم نزولا على الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأن الوحي وتلقيه وعملية تبليغه للناس وتلاوته عليهم وتعليمهم وتزكيتهم به كل هذه الأمور أمور في غاية الخطورة والأهمية، يعجز البشر بطاقاتهم المحدودة وقدراتهم عن القيام بها، والنهوض بأعبائها، فهي تحتاج إلى معية الله -تبارك وتعالى- في كل منها والارتباط الدائم به، والحضور الدائم بين يديه -سبحانه وتعالى- وذلك لا يتحقق إلا بالصلة الدائمة به – سبحانه- الصلة المستمرة التي لا تنقطع بحال من الأحوال، ولذلك فإن الأمر في هذه الآيات قد علل بقوله تعالى } إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً{ (المزمل:5)؛ أي إن من شأنه أن يحتاج منك إلى أن تكون في معية الله -تبارك وتعالى- على الدوام، فأمر -عليه الصلاة والسلام- بأن يقوم الليل، ويكون على ذكر دائم لله -تبارك وتعالى-، يذكره في نفسه تضرعا وخفية، ويذكره بين الملأ، ويذكره قائما وقاعدًا وعلى جنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- وهناك أصحاب كرام كانوا يحيطون به -صلى الله عليه وآله وسلم- يقتدون به ويتبعونه ويتأسون به لا يسألون عما إذا كان واجبًا عليهم أو مندوبا أو غيره فالمهم عندهم اتباعه -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل ما يأتي وما يدع، وما يفعل وما يصنع، فأراد الله -تبارك وتعالى- أن يدرك هؤلاء برحمته فبيّن لهم أنه يعلم الفرق بين نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- وبين غيره، ولذلك يمكن أن تخرَّج على ما جرى بالنسبة لصلاة التراويح وقيام رمضان؛ فرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين رأى الأصحاب قد انضموا إليه في صلاة التراويح امتنع عن الذهاب إلى المسجد وقال: `خشيت أن تفرض عليكم` (53)

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دين اسلامي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر