النسخ…..ليس تحريفا للقرآن(5)

كتبهاالعنقاء ، في 13 أكتوبر 2006 الساعة: 00:19 ص

أ.د.طه جابر العلواني

([65]) أخرج مسلم بسنده عن أبي الْأَسْوَدِ قال: بَعَثَ أبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إلى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عليه ثلاثمائة رَجُلٍ قد قرؤوا القرآن فقال (أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فأتلوه ولا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كما قَسَتْ قُلُوبُ من كان قَبْلَكُمْ، وَإنا كنا نَقْرَأُ سُورَةً كنا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غير أَنِّي قد حَفِظْتُ منها لو كان لابن آدَمَ وَادِيَان من مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا ولا يَمْلَأُ جَوْفَ بن آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كنا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غير أَنِّي حَفِظْتُ منها ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لَا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عنها يوم الْقِيَامَةِ) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، بَاب لو أنَّ لابن آدَمَ وَادِيَيْنِ لَابْتَغَى ثَالِثًا (2/726 رقم 1050) فأبو موسى هنا شهد على نفسه بالنسيان وقسوة القلب، وكان يحاول أن يقدم لقراء البصرة نصيحة بضرورة تعاهد ما يحفظون من القرآن وعدم إهماله فينسون كما نسي هو وغيره، أفيكون ما بقي في ذاكرته مضافا إليه مزيدا عليه لا يلتقي مع بلاغة القرآن في شيئ حجة على كتاب الله المعجز؟!! قلت: ولعله يقصد بالسورة الأولى سورة آل عمران لأنَّ هناك رواية أخرى رواها عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (5/132 رقم 21241 ) قال: حدثني عُبَيْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ القواريري ثنا مسلم بن قُتَيْبَةَ ثنا شُعْبَةُ عن عَاصِمِ بن بَهْدَلَةَ عن زِرٍّ عن أبي بن كَعْبٍ قال: قال لي رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - (إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أمرني أن أَقْرَأَ عَلَيْكَ قال فَقَرَأَ عَلَىَّ لم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مَطْهَّرَةً فيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وما تَفَرُّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الا من بَعْدِ ما جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلاَ الْيَهُودِيَّةِ وَلاَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلْ خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ - قال شُعْبَةُ: ثُمَّ قَرَأَ آيَاتٍ بَعْدَهَا - ثُمَّ قَرَأَ لو أنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ من مَالٍ لَسَأَلَ وَادِياً ثَالِثاً وَلاَ يَمْلأ ُجَوْفَ بن آدَمَ الا التُّرَابُ قال ثُمَّ خَتَمَهَا بِمَا بَقِىَ منها) قلت: إنَّ أبا موسى أراد أن يؤكد على قراء البصرة ضرورة تعاهد حفظهم للقرآن الكريم وعدم الغفلة عن المراجعة الدائمة لما يحفظون، ويشير من خلال خبرته وتجربته إلى أنه قد نسى سورا كان يحفظها لعدم مداومته على تعاهد = حفظه ومراجعته المستمرة، فكانت النتيجة أنه نسي ما كان يحفظ وبقيت معاني أو رءوس موضوعات فقط في ذهنه، فأراد أن يحذرهم جميعا من الوقوع في مثل ما وقع فيه، ويبدو أنَّ بعضهم قد فاته فهم ما قال ووهم بأنه كان يتحدث عن سور قد رفعت من القرآن، وهو لم يكن يريد ذلك، بل كان يريد أن يقول بأنَّ هذه انمحت من ذاكرته وذهنه وحفظه هو فلم يعد يتذكر منها إلا بعض رءوس الموضوعات الأساسيّة التي علقت بذاكرته وردت فيها، ورءوس الموضوعات التي أشار إليها هي من موضوعات سورة آل عمران التي قد تكون هي السورة التي كان قد نسيها أبو موسى لعدم تعاهده لحفظها، وحملها الرواة الغفلة على ما كان مستقرا في أذهانهم من أن هناك سورا في القرآن أنزلت ثم محيت من أذهانهم ورفعت من مصاحفهم، وليس الأمر كذلك، إذ أنَّ في هذا تأكيدا من أولئك الغفلة على أنَّ القرآن منقوص، وأنَّ ما بأيدي الناس هو ليس كل ما قد أوحي، وهذا كفر صحيح إذا قاله الإنسان بوعي وبقصد، لقوله تعالى ` إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ` (الحجر: 9 ) وقوله تعالى ` إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ` (القيامة: 17) وقوله تعالى ` سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى` (الأعلى: 6) وكل النصوص الدالة على عصمة هذا القرآن وإعجازه وتحديه بنظمه وبأسلوبه، ولست أدري ما الذي ترك هؤلاء للمشركين وأعداء القرآن ونفاة حجيته وحفظه من أقوال، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما ما نقلوه عنه من قوله `لم تقولون ما لا تفعلون` فواضح أنَّ الرجل بعد أن أقر على نفسه بالنسيان قد ذكر طرفا من آية كما في كتاب الله وهي قوله تعالى ` يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ` (الصف: 2)، وأضاف هو أو أضاف النقلة الغفلة فيه معنى قد قام في ذهنه بأنَّ دعوى الإنسان فعل ما لم يفعل يجعله ملتزما بالفعل الذي دلت دعواه عليه، فإن لم يفعل كان كاذبا، ويكون بمثابة شهادته على نفسه بحيث يسئل عن ذلك يوم القيامة، وذلك يعني أنه ربما كان يحفظ سورة الصف ونسيها لانشغاله بالإمارة عن تعاهد القرآن، فكل ما في الأمر أنه كان خائفا على القراء من أن ينشغلوا عن تعاهد القرآن فينسونه، فأراد تحذيرهم، وبيان تجربته لهم ليأخذوا منه درسا، وليس ما قاله شهادة على القرآن الكريم بالنقص أو التحريف كما ذكر المغفلون أو الحاقدون، وأن ما بقي في ذاكرته مما كان يحفظ معان رواها فيها ألفاظ قرآنية، وفيها معان بقيت في الذهن عبَّر عنها!!. ([66]) هذا حديث نبوي أخرجه البخاري قال: حدثنا أَصْبَغُ بن الْفَرَجِ حدثنا بن وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌو عن جَعْفَرِ بن رَبِيعَةَ عن عِرَاكٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – قال (لَا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عن أبيه فَهُوَ كُفْرٌ) صحيح البخاري كِتَاب الْفَرَائِضِ، بَاب من ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيه (6/2485 رقم 6386)، فكيف يجعلونه من القرآن الكريم؟ ولعل هذا يذكرنا بنهي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن أن يكتب أي شيئ مع القرآن الكريم لئلا تحدث مثل هذه الأوهام ومثل هذا الخلط الذي أدى إلى مثل هذه الدعاوى، بحيث أدرج البعض آراء الصحابة أو فتاواهم التي علقوها على هوامش مصاحفهم - مثل ما أدرجوا ما علقته السيدة عائشة وابن مسعود وغيرهما – وذلك دليل على أنَّ مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ماحقة للبركة، مؤدية للوقوع في المحذور، فلو تمسَّك هؤلاء جميعا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وخافوا من مخالفة أمره لما وقعوا وأوقعوا غيرهم في هذه المشكلات، ولجردوا مصاحفهم من كل ما لا علاقة له بالقرآن، إذ مهما قيل عن أذواقهم البلاغيَّة وفصاحتهم فإنَّ إدمانهم القراءة قد يجعلهم يقولون أو يكتبون عبارات قد توحي للأجيال بعدهم وهي دونهم بكثير في الفصاحة والبلاغة – كما حدث – أنها آيات واردة في مصاحفهم، وهي لم تكن غير تفسيرات = وتعليقات علقوها على مصاحفهم، ظنّاً منهم أنَّ مصاحفهم هذه ستبقى محصورة في الإطار الشخصيّ ولا يطلع عليها سواهم. ([67]) إنه يقصد أنها سقطت من حفظه. ([68]) فيه ابن لهيعة ضعيف. انظر الكاشف (1/590). ([69]) الحديث ضعيف جدا فيه عباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد بن حنظلة الواقفي متروك الحديث. انظر (تقريب التهذيب 1/293). ([70]) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/361 رقم 3274 ) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهذا وهم منهما، بل الحديث ضعيف لأنَّ فيه عبد الله بن سلمة المرادي، قال فيه البخاري: لا يتابع في حديثه.(تهذيب التهذيب 5/ 213) وفيه - أيضا – القاسم بن الحكم العرني، قال أبو حاتم: لا يحتج به (الجرح والتعديل 7/109)، وقال ابن حجر: صدوق فيه لين (تقريب التهذيب 1/ 449) ([71]) هذا الذي ادعاه الحسين بن المنارى ليس عليه دليل إلا زعم البعض أنه كان موجودا في مصحف أبي، وهؤلاء لم يأتوا بدليل، بالإضافة إلى أنَّ القنوت الذي فيه الحفد ليس مأثورا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم-، بل هو مما أثر عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -، ولعل أبى كان كتبه في مصحفه تعليقا فظنوه قرآناً.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دين اسلامي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر