الشرق الأوسط الجديد.. الفاعلون والمفعول بهم

كتبهاالعنقاء ، في 31 أكتوبر 2006 الساعة: 00:32 ص

الشرق الأوسط الجديد.. الفاعلون والمفعول بهم

 
بقلم  د.يحيى الجمل

لا أحد يستطيع أن ينكر أن رياحاً عاتية تهب علي منطقة الشرق الأوسط، وأن كل محاولة لتجميد الأوضاع لتبقي علي ما هي عليه، مصيرها الفشل المحقق.. ولكن إذا كان التغيير حتمياً، وفي المدي المنظور، فما اتجاه التغيير؟ ومن هم الفاعلون في إحداثه وتفعيله؟ ومن هم الذين سيصيبهم التغيير؟ أو بعبارة أخري من هم الذين سيقع عليهم التغيير؟ وهل سيكون لهم دور فيه؟

واعترف بأن كل هذه التساؤلات دقيقة وشائكة، ومن المخاطرة غير العلمية، الجزم برأي فيها، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون اجتهادات تحاول أن تستند إلي معطيات الواقع، وإلي حركة التاريخ، وإلي ميزان أو موازين القوي في المنطقة التي نطلق عليها منطقة الشرق الأوسط، التي تمتد من إيران إلي المغرب، وقد يلحق البعض بها أفغانستان أيضاً، عندما يريدون الحديث عن الشرق الأوسط الكبير، وما أظن أن إضافة أفغانستان أو عدم إضافتها ستغير شيئاً كبيراً.

والسؤال الأول والأساسي هو عن اتجاه التغيير:

- إلي أين تهب الريح؟ وأين ستصب المياه المتدفقة؟

«الفاعلون» هم الذين سيحددون إلي مدي بعيد اتجاه التغيير.

فما القوي الفاعلة؟ ما القوي التي تحرك المنطقة وتحاول أن ترسم لها خط السير؟ وما مدي مقدرتها علي ذلك؟

الولايات المتحدة الأمريكية - رغم يقيني بأنها قوة غاربة علي المدي الطويل - فإنها في الوقت الراهن فاعل أساسي ومحرك جوهري، وهذا يقتضينا أن نسأل: إلي أي اتجاه، وفي أي مسار تريد الولايات المتحدة الأمريكية لحركة التغيير أن تسير؟

الولايات المتحدة - وفقاً لكثير من التحاليل والدراسات والتقارير المتاحة - تريد حزمة من الأهداف قد يبدو ظاهرها غير باطنها.

هي تريد في الأساس أنظمة حكم موالية لها وغير معادية لإسرائيل وغير مفرخة - ولو بطريق غير مباشر - لأسباب الإرهاب أو ما تسميه هي بالإرهاب، وهي تريد إحكام قبضتها علي مصادر الطاقة في المنطقة، إلي أن تنضب هذه المصادر أو إلي أن تتأكد من وجود بديل أفضل وأقل تكلفة، وقد تدعو هذه الحزمة من الأهداف البعض - وليس الكل - في الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة حل القضية الفلسطينية، يتفق مع هذه الأهداف. وقد يدعوها أيضاً إلي التبشير بأنظمة أقل قمعية بل ولا مانع من بعض المظاهر الديمقراطية.

هذا هو ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية وما تدفع الريح في اتجاهه.

والساحة فيها فاعلون آخرون، فيها أوروبا، وهي إلي حد كبير تسير في ذات اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، مع قدر من الحرص علي اقتسام بعض فتات الغنائم، وقدر من الحرص علي أن تكون أقرب إلي أماني شعوب المنطقة. والساحة أيضاً فيها روسيا وفيها الصين، ولكن دور كل منهما - حتي الآن - محدود.. والساحة أيضاً فيها دول المنطقة بأنظمتها الحاكمة وشعوبها.

وبالنسبة لدول المنطقة، فإن «إيران» وحدها تتمتع بوضع خاص.

أما الأنظمة الأخري، فإنها تتفاوت في درجة الطاعة من الخضوع الكامل إلي الخضوع المحتشم، وكلها تعلم أنها لا تستند إلي إرادة شعوبها، وأنها تبحث عن سند خارجي وبعضها غارق في الاستبداد والفساد، وقلة منها لديها قدر من الذكاء يدفع إلي اصطناع قدر من المواءمات، يقال لها أحياناً إنه نوع من الإصلاح.

أما إيران فهي وحدها التي يستند نظامها إلي قاعدة شعبية وقاعدة علمية، وتتمتع بدولة مؤسسات وقدر غير قليل من الديمقراطية. ولذلك فهي وحدها التي لا تخضع ولا تستجدي رضا الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا عن الأنظمة الحاكمة، أما شعوب المنطقة فغالبيتها تري أن سياسة الولايات المتحدة هي السبب الجوهري لمشاكل المنطقة. فهي التي تساند إسرائيل بغير حدود، وتحول بذلك دون حل عادل للقضية الفلسطينية. وهي التي تساند أنظمة القهر والفساد وتدعمها بالفعل، وإن وجهت إليها بعض النقد الخفيف بين الحين والحين، ذراً للرماد في أعين الشعوب.

وغالبية الشعوب في هذه المنطقة، بينها وبين حكامها ود مفقود من الناحيتين. فلا حكام المنطقة يستندون إلي إرادة شعوبهم ولا الشعوب تنتظر من حكامها خيراً قط.. ولما كانت وسائل القهر في يد الحكام، فإن ذلك يزين لهم أن بقاءهم علي أنفاس شعوبهم أمر مؤكد، أو علي الأقل أمر قد يطول.

هذه - فيما أري - صورة المسرح السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

فما التوقعات أو بعبارة أخري كيف نري المستقبل؟

ومرة أخري أعود فأقول: هي اجتهادات تحاول أن تجد لها أساساً من الواقع، ومن حركة التاريخ، ومن معادلة توازن القوي.

هناك مقدمات نبني عليها هذه التوقعات أو الاجتهادات، وهذه المقدمات تقوم علي محاور ثلاثة: أمريكا وإسرائيل والشعوب.

بالنسبة لأمريكا أو بالأدق بالنسبة للتوجه الإمبراطوري الأمريكي، الذي يقود سياستها ويحدد أهدافها التي أشرنا إليها من قبل، هذا التوجه الأمريكي يعلن بوضوح أنه لم يعد يلتزم بالقاعدة القانونية، إذا تعارضت مع ما تري أمريكا أنه مصلحتها. أمريكا تري أن مصلحتها وما تقدر هي، أنه الصواب، يسبق قاعدة القانون الدولي، ويسبق قواعد السلوك الأخلاقي. وهذا ليس مجرد استنتاج، وإنما هو تصريحات معلنة.

بل وهناك بعض المتطرفين الذين يرون أن صوت أمريكا الآن هو صوت الله، وأن بوش وتشيني ورامسفيلد وأضرابهم، إنما يعبرون عن الإرادة الإلهية علي الأرض.

وهذه السمات كلها تنبئ عن أن التوجه الإمبراطوري الأمريكي بدأ في الطريق الذي سبقته إليه كل الإمبراطوريات القديمة: طريق الانحدار والتفكك. ونذر ذلك تبدو قائمة، ولست أنا وحدي الذي أقول ذلك، وإنما يقول به أيضاً محللون أمريكيون كبار.

وأنا هنا أتحدث عن «التوجه الإمبراطوري»، ولا أتحدث عن الشعب الأمريكي.

أما إسرائيل، فأنا أعتقد - وليس هذا من باب التمني - أن أمامها أحد طريقين إما أن تذوب في شعوب المنطقة وتتخلي عن التوجه العنصري الاستعلائي، وإما أنها ستحكم علي نفسها بالدمار. إن الحماس للأساطير الدينية التي كانت الباعث علي قيام الدولة الصهيونية، قد بدأ بدوره في الانهيار والانحدار، وقد بدأ كثير من يهود العالم يدركون أن قيام الدولة الصهيونية، كان وبالاً عليهم، أو أنه بالأقل عبء لا مبرر له.

وقد أحيل هنا إلي نظرية الصديق العالم الدكتور عبدالوهاب المسيري، وهو يري ـ علي أسس علمية وتاريخية ودينية ـ أن دولة إسرائيل العنصرية إلي زوال محتوم.

ويبقي المحور الثالث، وهو شعوب المنطقة، كل هذه الشعوب مقهورة ومكبلة بأنواع من القهر والطغيان والاستبداد غير مسبوقة. ومع ذلك فإن الذي لا يري أن الشعوب بدأت تتملل وبدأت تتحرك يخدع نفسه. إن الذي يقارن بين أوضاع الشعوب الآن وأوضاعها منذ عشر سنوات فقط، لابد أن يلمس تغييراً واضحاً حتي في أكثر المناطق تخلفاً.

نعم.. هناك شعوب تمزقها الطائفية، ولكن أعتقد أن هذا التمزق عارض يذكيه التخلف من ناحية، والسياسات الأمريكية من ناحية أخري، والأمران لا يمكن أن يكونا دائمين.

وهذا التمزق الطائفي ليس عاماً ولا شاملاً علي أي حال.

وهناك أيضاً نوع من الركود والخضوع واليأس والاستسلام عند قطاع غير قليل من الناس، ولكنني أزعم أن هذا القطاع بدوره يتراجع، وأن مشاعر اليأس والاستسلام تترك مكانها لمشاعر التمرد والنقمة.

وهناك إيمان متزايد بدور العلم، وهناك إصرار لدي كثيرين علي اللحاق بركب العلم.

وهناك إيمان متزايد أيضاً بحقوق الإنسان، وبضرورة حكم القانون، وهذا بدوره يرتبط بالعطش للحرية والتعددية والديمقراطية وتداول السلطة.

وكل هذا يؤذن - رغم كل الصعوبات وكل المعوقات وكل الإحباطات - بأن الشعوب بدأت تعرف طريقها وأن إمبراطورية الاستبداد والفساد بدأت تعد العدة للرحيل.

هل هي مجرد أمان وأحلام؟

لا أعتقد ذلك فهذه حركة التاريخ تقول: إن الشعوب لابد وأن تنتصر.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “الشرق الأوسط الجديد.. الفاعلون والمفعول بهم”

  1. هناك عطش للحرية ، هناك إيمان بدور التعليم ، هناك رغبة في العدل ، والسلام ، وكل شيء جميل عند شعوبنا ولكن في النهاية تبقى أماني ، فلم ترقى بعد عندنا لحافز لنسعى إليه ….. وإنما السواد الاعظم يتمنى وينتظر أن تأتيه أمانيه على طبق من فضلة ، دون تضحية ……… نسأل الله أن يبعث الحياة في اركان المفعول به من جديد ، أو يستبدل الله قوما غيرهم يحبهم ويحبونه ولا يخافون في الله لومة لائم ،،، ولا يتمسكون بتلابيب حياة هي أقرب للموات .. تحياتي اخيك (واحد تاني) ………والسلام

  2. تحية طيبة … في بداية تدويني … كتبت مقالة تعالج نفس الموضوع باسلوب اخر قمت بتعديلها اخيرا و سأعيد نشرها … وسيسعدني ان تقرأيها حين نشرها … اذن ستقرأين تعليقي في مقالتي … وتقبلي تحيتي .اختي الكريمة

  3. سرتني كلماتك وانني اوكد ان رياح التغير اتيه والهزيمه بهم نازله انشاء الله لنعود الي النهوض باانفسنا ومجتمعاتنا ….ودعوه للتواصل

  4. الاخ واحد تاني /شكرا لك على تعليقك وعلى تواصلك…وفعلا نحن كما ذكرت ولم تتغير احوالنا بالاماني فقط ولا بالدعاء فقط علينا ان نكون فاعلين ولو لمرة في حياتنا .اختك العنقاء

  5. الاخ عماد/ اشكرك على هذا التواصل وبارك الله فيك….واكيد سوف اقرأ المقال والتعليق بإذن الله…..اختك العنقاء

  6. الاخ الغريب جزاك الله خيرا وشكرا على دعوتك

  7. رغم كل هذا بداخلى أمل قوى أن نعود مرة أخرى بدون قهر و بعقل عالم وبدفء الأخلاق …. بعيدا عن كل السلبيات …. شكرا لك

  8. الاخت دولة الهانم/ اتمنى ذلك ايضا وندعو الله ان يبلغنا المنى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر