الشرق الأوسط يشهد – الان- محاولة امبراطورية جديدة هى إسرائيل…تكملة المقال الرابع

كتبهاالعنقاء ، في 22 يناير 2008 الساعة: 14:19 م

لقد تغيرت أشياء كثيرة - يا سيادة الرئيس - منذ شردت سياسة الصلح المنفرد مع إسرائيل إلي تيه ليست له خرائط، ومن وقتها سارت قوافل كثيرة في دروب الصحراء، وفاض نفط غزير من رمالها، واختلفت صورة العالم العربي عما كانت عليه سنة ١٩٧٤ اختلافا شاسعا، وبعض ما حدث - لابد أن تتحمل مصر بأمانة مسؤوليته، وبعضه الآخر - ليس من الأمانة تحميل مصر به.

لكي نعرف إلي أي مدي تغيرت الصورة - يا سيادة الرئيس - فإن ما جري في لبنان يكفينا، لا أتكلم عن الغزو ولا عن المذابح فقط، ولكن أتحدث عن الصورة العامة كلها، وهي تدعونا بإلحاح إلي دراسة بعض ملامحها:

* في ربيع هذه السنة - ١٩٨٢ - كان واضحاً أن إسرائيل مصممة علي مواصلة تنفيذ ما تبقي من اتفاقيات كامب دافيد، وبعد الفراغ من الجانب المصري من هذه الاتفاقيات، وإزاء الثورة المشتعلة في الضفة والقطاع - فإن لبنان سوف يكون الهدف.

ولم يكن هناك لغز في الأمر ولا سر، فالنوايا معلنة، وسياق الحوادث كفيل بأن يقود إليها، بصرف النظر عن النوايا معلنة أو مضمرة.

ـ فقد كان الجيش الإسرائيلي يحتشد أمام جنوب لبنان.

ـ وكانت الثورة الفلسطينية تنادي ليل نهار من يريد أن يسمع نداءها.

ـ وكان تحالف القوات اللبنانية قد استكمل وسائله «منذ سنة ١٩٧٤ علي الأقل بدأت القوات اللبنانية تتصل بإسرائيل، وبعد الحرب الأهلية في لبنان - ١٩٧٥ - تحول الاتصال إلي اتفاق وارتباط».

منذ ذلك الوقت - يا سيادة الرئيس - وإلي بداية هذه السنة، كانت إسرائيل قد صرفت - بحسب أوثق المصادر - ما مقداره ٣٥٠ مليون دولار في ست سنوات، لإعداد وتدريب وتسليح القوات اللبنانية، وكانت هذه القوات خليطاً من عناصر متعددة.

ـ ميليشيات الكتائب (تحت إمرة «بشير الجميل» الذي أصبح رجل إسرائيل في بيروت).

ـ ميليشيات «كميل شمعون» (الذي كان أول من بدأ الاتصال بإسرائيل).

ـ ميليشيات مستقلة (خاضعة مباشرة لإمرة «الموساد» - المخابرات الإسرائيلية).

يضاف إلي هذه الميليشيات بالطبع: قوات «سعد حداد».

ولم يكن هناك من لا يعرف في بيروت بوقائع ما يحدث، ولم يكن هناك من يستطيع أن يكابر فيه، ولا حتي الشيخ «بشير الجميل» الأب ومؤسس الكتائب.

وأتذكر أنني قابلته في مقر الكتائب ذات يوم من شهر فبراير ١٩٧٥، وألمحت إلي صلات حزبه مع إسرائيل من بعيد، وكان رده بوضوح لا يحتمل اللبس:

«إنني علي استعداد لأن أتعاون مع الشيطان من أجل لبنان».

كان هناك كثيرون - في المنطقة كلها وليس في لبنان وحده - علي استعداد للتعاون مع الشيطان، وكل منهم لديه من أجل نفسه - وليس من أجل الأوطان - ما يتعاون فيه مع الشيطان!

* وحين بدأت عملية غزو جنوب لبنان، تأخر من كان بيدهم الحل والعقد وقتاً طويلاً قبل أن يتحركوا.

في البداية صدقوا ما كانت تقوله إسرائيل عن أن هدفها تأمين شريط حدودي بعرض ٢٥ ميلاً في جنوب لبنان، وبدا كما لو أن ذلك لا يضايقهم كثيراً.

وتكرر علي بعض الألسنة وعلي أسنة بعض الأقلام أن كل شر يحمل خيراً في باطنه، وهكذا فإن العملية الإسرائيلية سوف تؤدي إلي تحجيم الثورة الفلسطينية التي ذهبت بعيداً في ممارسة استقلالها من وجهة نظرهم، وأصبحت عنصراً ضاغطاً علي كل الأنظمة، وقد زاد اقترابها من الاتحاد السوفيتي، ثم انضمت صراحة إلي جبهة الرفض، واشتركت في مؤتمرها الأخير في الجزائر.

أضيف إلي ذلك بنفس الألسنة والأقلام أن العملية الإسرائيلية قد تؤدي إلي تأديب سوريا، من حيث إنها سوف تكشف عجز النظام السوري عند المواجهة مع إسرائيل، ويتبدي الفارق الكبير بين ما يسمح لنفسه بتكرار إعلانه، وما يتحمل بنفسه أن يتصرف به!

وبدا لهؤلاء أن هذا كله مما لا بأس به، خصوصاً أن العراق انشغل بحربه مع إيران، وكان موقف «هؤلاء» من تلك الحرب في البداية يلخصه بدقة ما سمعته بنفسي من «أحد الأقطاب الملكيين»، وكنت أتحدث إليه ذات يوم عن تطورات القتال بين العراق وإيران، وكان تعليقه بالحرف شطرة من بيت شعر تقول «وربما تموت الأفاعي من سموم العقارب»!

* وعندما تطورت العملية الإسرائيلية فتجاوزت قواتها احتلال الخمسة والعشرين ميلاً، واقتربت من العاصمة اللبنانية، وحاصرت بيروت الغربية وفيها القوة الأساسية للثورة الفلسطينية، واحتدمت المعارك، وخرجت صورها تنقل إلي الدنيا مشاهد البطولة والاستشهاد، وجرائم الغزو وفظائعه - فإن الرأي العام العربي كله انتفض ليسأل، وكان يمكن له بعد السؤال أن يحاسب وأن يعاقب.

لكن الذين كان بيدهم الحل والعقد في العالم العربي تلك الأوقات سارعوا إلي الحركة.

ـ كان أول ما فعلوه هو أن الصور والأفلام القادمة من بيروت أخضعت لرقابة صارمة، بحيث لا تحول موادها إلي شحنات متفجرة بعيداً عن بيروت (وهكذا فإن الرأي العام العربي - معظمه علي الأقل - جري عزله عن المشاهد الحقيقية لما جري ويجري، حتي لا تستثار أو تثور مشاعره بما تصعب السيطرة عليه، وكان كثيرون - ومازالوا - يتعجبون لأن الرأي العام العالمي انفعل بمأساة لبنان أكثر مما انفعل بها الرأي العام العربي، وكان السبب في الواقع أن الصورة الكاملة لم تظهر أمام الناس إلا للقلة القادرة علي المتابعة عن طريق الوسائل الخارجية، بينما الجموع الغفيرة ظلت معزولة عنها بالكامل).

ـ ثم كانت الخطوة الثانية فيما فعلوه هي الهرولة إلي الولايات المتحدة.

ولم يكن لدي واحد من «هؤلاء» - أو من غيرهم - شك في أن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر للدخول الإسرائيلي العسكري إلي لبنان، لكن «مقولة» الضغط علي الولايات المتحدة كانت الورقة الوحيدة الباقية في أيديهم - علي الأقل «ببيع الوهم» للناس.

وفي حقيقة الأمر فإنه لم يكن هناك ضغط مؤثر لأن واقع الحال كان يكشف أن حاجة الذين يضغطون - إلي الولايات المتحدة، أشد من حاجة الولايات المتحدة إلي هؤلاء الذين يضغطون، وهكذا فإن الضغط لم يلبث أن تحول إلي رجاء، ولم يلبث الرجاء أن نزل إلي ما دون الاستعطاف وطلب الرحمة.

ـ أسوأ من ذلك، فقد بدأت إسرائيل تضغط علي الولايات المتحدة، لكي تضغط بدورها علي أصدقائها في المنطقة، لكي يضغط هؤلاء الأصدقاء بدورهم علي الثورة الفلسطينية، لكي تخرج من لبنان، مقابل وعد بأنها إذا خرجت - مطيعة ومؤدبة - من بيروت، فإن الولايات المتحدة سوف تقبل أن تتحدث معها!

حتي هذا الوعد لم يكن صادقاً، أو لم يكن صحيحاً.

ولم يكن ذلك كل ما حدث في لبنان.

بعد الغزو وبعد المذابح، أصبحت بيروت أكبر مسارح اللامعقول - علي الطبيعة وفي الواقع، وليس بالفن أو التمثيل.

تصوروا - يا سيادة الرئيس - عاصمة عربية احتلتها قوات الغزو الإسرائيلي، ومع ذلك كان لها رئيس جمهورية يمارس ما يسميه عمله الشرعي، بينما ترابط أمام قصره قوات مدرعة من دبابات العدو، وكانت المشاورات تجري في ذلك القصر،

بينما سيارات المشاركين فيها تتقابل وتتداخل مع دوريات الاحتلال، وكان هناك مجلس نواب يجتمع وينتخب رئيساً جديداً - بينما الجنرال «شارون» غير بعيد عن الثكنة التي تمارس فيها العملية الانتخابية، بل وحدث أن بعض الذين تلاقوا في الثكنة لوضع أسس الشرعية الجديدة في لبنان، جري خطفهم بقوة السلاح لاستكمال النصاب القانوني - ! - وأمام فوهات المسدسات والمدافع الرشاشة جري وضع البطاقات في سلة من القش!

هل يمكن أن يحلم مسرح اللامعقول بأكثر من ذلك؟

لا يتوقف اللامعقول عند هذا الحد، لأن الرئيس المنتخب - أو المفروض من إسرائيل في ذلك الوقت - «بشير الجميل» اضطر إلي إعادة حساباته، إزاء ضغوط تتصل بمصالحه أكثر من اتصالها بواجباته:

ـ إذا أراد أن يكون رئيساً لكل لبنان، فعليه أن يأخذ في حسابه وزن المسلمين فيه.

ـ إذا أراد أن يتأكد من بقاء شرق وشمال لبنان - سهل البقاع وشماله الغربي إلي طرابلس - فإنه مطالب بأن يجد صيغة التفاهم من نوع ما مع سوريا، لأن سوريا بالنسبة للبنان ليست مجرد جوار، وإنما سوريا ولبنان قضية متداخلة ومتشابكة في الأرض والأمن والمصالح، بل والعائلات، وهكذا فإن العنصر السوري أساسي في المعادلة اللبنانية مهما قال القائلون!

ـ إذا أراد أن يضمن إعادة تعمير لبنان، فإن المصدر الوحيد لتمويل التعمير يصعب أن يجيء من غير دول البترول العربية، وهذه لا تستطيع قبوله رئيساً يمثل إرادة إسرائيل الصريحة، ثم إن تجاهل المسلمين في لبنان - ليس أفضل أسلوب يقدمه إلي دول البترول.

ـ كانت هناك أيضاً بالنسبة له مشكلة «سعد حداد» الذي تريد إسرائيل مكافأته علي خدماته، بإيجاد دور له في لبنان الجديد، الذي تقوم هي بإعادة ترتيب أموره، بعد أن أصبحت قوة إمبراطورية مسيطرة عليه (وعلي غيره)!. وقبول «سعد حداد» والتعامل معه قضية بالنسبة لبشير الجميل، وإلي جانب المحاذير الوطنية في هذه القضية، فقد كان مؤكداً أنها لن تكون مقبولة من أمراء الجبل، لأنها تفتح الباب لزعماء ميليشيات قادمة من السفوح!

ولقد تشجع «بشير الجميل» بالدور الأمريكي الذي نشط بشدة في لبنان، حتي أصبح هذا الدور وسيطاً بين القوة الإمبراطورية الجديدة وبين بقية المذعورين منه حول لبنان، والذين لم تعد لهم حماية إلا تحت المظلة الأمريكية.

وعندها تصور «بشير الجميل» أنه يستطيع نقل ولائه من إسرائيل إلي الولايات المتحدة، وكانت الولايات المتحدة علي استعداد لفهم مصاعبه.

كانت تستطيع أن تفهم:

- لماذا مثلاً لم يقم بدوره المرسوم في خطة الغزو الإسرائيلي، وهي خطة كانت تضع عليه عملية اقتحام بيروت الغربية حتي لا تفقد فيها إسرائيل من الخسائر البشرية أكثر مما تطيق احتماله (وكانت إسرائيل عاتبة عليه لهذا السبب في ذلك الوقت).

- لماذا مثلاً لا يستطيع أن يتعهد علناً بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وكان قد وعد بذلك، واكتشف بعد انتخابه أنه لا يستطيع وراح يماطل ويتلمس المعاذير (وفيها موقفه من المسلمين في لبنان - والعامل السوري في المعادلة اللبنانية - وحاجة لبنان إلي أموال البترول للتعمير).

كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت صاحبة اقتراح عقد معاهدة عدم اعتداء - وليس اتفاقية سلام - بين إسرائيل ولبنان، وتقديرها أن مثل هذه المعاهدة يمكن بيعها للعرب علي أساس أنها لا تقيد لبنان بشيء (كما حدث مع مصر)، لأن «بشير الجميل» - ليس اليوم ولا غداً أو بعد غد - في موقف يسمح له بالهجوم علي إسرائيل، وإنما العكس، لأن هذه المعاهدة تعطي للبنان شيئاً، في حين أن لبنان لا يعطي بها شيئاً يؤثر في موازين الصراع!

ولم يتوقف مسرح اللامعقول.

كان «مناحم بيجين» يري أن «بشير الجميل» يماطل معه ويسوّف، وأن الأحلام تراوده وتداعبه بنقل ولائه من إسرائيل إلي الولايات المتحدة.

وبعث إليه «بيجين» يهنئه بانتخابه، ولم يرد «بشير الجميل» علي التهنئة.

ودعاه «شارون» ورئيس المخابرات الإسرائيلية إلي لقائهما في قريته بكفيا، وطلب «بشير» تأجيل الاجتماع.

وتصرف «بيجين» بأسلوبه، وبعث يستدعيه بحزم إلي «نهاريا»، حيث كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يقضي إجازة، وحملت طلب الاستدعاء قوة خاصة من الجيش والموساد. وكان علي «بشير الجميل» أن يركب الهليكوبتر إلي «نهاريا» برضاه، أو يحمَل إليها بغير رضاه، وركب، وذهب إلي جناح «بيجين» في فندق «نهاريا».

وأنقل هنا - يا سيادة الرئيس - رواية شاهد حضر هذا الاجتماع من مستشاري «بشير الجميل» وهو مستشار أمريكي:

«دخلنا جناح «بيجين» وكان هناك وزير الدفاع «شارون» وبعض مساعدي رئيس الوزراء.

وراح «بيجين» يتكلم في الأوضاع والتطورات، و«بشير الجميل» في موقف الدفاع عن النفس.

وفجأة طلب «بيجين» خروج الآخرين جميعاً من الغرفة وأقفل الباب عليه وعلي «بشير الجميل» وحدهما، وبعد ٤٥ دقيقة فتح الباب وخرج «بشير الجميل»، ولاحظنا جميعاً أنه ممتقع الوجه.

وعادت بنا الهليكوبتر إلي بيروت، وفي بيروت أخرج «بشير الجميل» ورقة من جيبه، قال إن «بيجين» سلمها له، كان فيها نص مشروع معاهدة سلام، ثم قال لنا «بشير»:

- إن «بيجين» سلمني هذا المشروع، وأضاف قائلاً لي: «إنك سوف تتولي رئاسة الجمهورية رسمياً يوم ٢٣ سبتمبر، وقبل نهاية ذلك الشهر - أي في ظرف أسبوع واحد - يتحتم أن يصلني توقيعك علي هذا الاتفاق».

وسكت «بشير الجميل» ثم استطرد:

- لا أعرف ماذا أفعل؟ - إذا لم أنفذ، فلن أكون مطمئناً علي حياتي».

الغريب - يا سيادة الرئيس - أن «بشير الجميل» أطلع أمريكيين رسميين علي كل ما حدث، وبعث لبعض العواصم العربية بطرف منه، وتصور كثيرون أنه يبالغ.

لكن الإسرائيليين عرفوا برسائله.

وتفجّر بيت الكتائب بعد أيام، وسقطت أنقاضه فوق جثة «بشير الجميل»، تعامل مع الشيطان (وفق نظرية والده)، وكان عليه أن يدفع حتي النهاية للشيطان، ودفع، ولم تكن إسرائيل هي التي نفذت العملية بنفسها، فهي أذكي من ذلك وأخبث، وإنما كان التنفيذ عن طريق بعض فصائل القوات اللبنانية المتعاملة مباشرة مع إسرائيل دون وساطة

 أي مشيخات سياسية (هناك من هؤلاء ثلاثة آلاف تعاملهم مع المخابرات الإسرائيلية رأساً) - ومَنْ غير هؤلاء كان يستطيع أن يصل إلي مقر الكتائب؟، ومَنْ غيرهم كان يستطيع أن يعرف أن «بشير الجميل» سوف يكون فيه تلك اللحظة؟ ومَنْ غيرهم كان يملك الوقت والأدوات اللازمة لتنفيذ العملية بهذه الدقة والكفاءة؟!

* * *

سيادة الرئيس

تحت هذه السماء الملبدة بالغيوم اجتمع مؤتمر القمة العربية في «فاس».

كان المشروع الإمبراطوري الإسرائيلي -!!- يلمع كسياط البرق وسط أصداء هدير الرعد القادم من بيروت، وكان المشروع القومي العربي يتراجع علي الأفق ويغيب في السحب الداكنة!

وكان مهيناً أن العرب وقد تراجعوا حتي الخندق الأخير لم يعد بينهم وبين الغطرسة الإسرائيلية غير حاجز واحد لم يبق غيره، وهو حسن الظن في الولايات المتحدة.

ولقد نستطيع القول - بغير مبالغة وبغير تجنٍ - إن هذا المؤتمر في «فاس» كان قمة الملوك.

كان الملك «الحسن الثاني» علي رئاسته، وقد غير تقاليد مؤتمرات القمة العربية، وأخذ تقاليد قمم أخري حين حدد أن المؤتمر سوف يظل تحت «رئاستنا» للسنة القادمة حتي ينتقل إلي رئاسة الملك «فهد» الذي تقرر أن يستضيف المؤتمر القادم - سنة ١٩٨٣ - في «الطائف».

بل إن الملك «الحسن» أزاح جانباً دور الأمين العام للجامعة العربية، وعين وزير خارجيته متحدثاً رسمياً باسم القمة، ثم وضع الملك «نقطة» علي «حروفه» - فقال في معرض مناقشة بينه وبين بعض الساسة من «العامة» الذين أتيح لهم حضور المؤتمر: «لقد كانت الأمور في أيديكم سنين طويلة، وعليكم الآن أن تتركوا لنا الفرصة لنعمل»، وبالطبع فإن صيغة الجمع هنا كانت هي بعينها صيغة الجمع الملكية «نحن…».

وعلي أي حال فقد كانت الأمور محسومة بحكم الأمر الواقع، فمادامت الأمة العربية قد أصبحت في الخندق الأخير، ومادام لم يعد بينها وبين الغطرسة الإمبراطورية لإسرائيل غير حاجز واحد هو الولايات المتحدة - إذن فإن كلام غير الملوك تطفل وتزيد.

ولقد أسمح لنفسي - يا سيادة الرئيس - وأرجو أن يكون حساب ذلك علي، لا شأن لكم ولا لمصر به - أن أعترض بكل أدب وبكل احترام علي مقولة «الحسن الثاني» بأن «الأمور كانت في أيديكم سنين طويلة، وعليكم الآن أن تتركوا لنا الفرصة لنعمل».

الحقيقة أن كل الأمور كانت في أيديهم منذ سنة ١٩٧٤، وربما قبلها.

* كان الملوك هم الذين أقنعوا الرئيس «السادات» بأن الحل كله فى ىد أمرىكا، وأن أمرىكا لن تقترب منه طالما الاتحاد السوفىتى موجود فى المنطقة، وأول خروج السوفىت خروج سلاحهم.

وخرج السلاح السوفىتى من المنطقة، وأصبحت أكتوبر آخر الحروب، وأصبح خىار الحرب بىن العرب وبىن إسرائىل غىر وارد، فالسلاح السوفىتى وحده هو السلاح الذي استطاع به العرب أن يدافعوا عن أنفسهم، وباختفاء خيار الحرب المحتملة فقد اختفي خيار السلام الممكن، لأن السلام بدون خيار الحرب لا يكون سلاماً،

والمفاوضات - أي مفاوضات في الدنيا - مرهونة بموازين قوة، وما لم يكن في مقدور أي طرف من الأطراف أن يقول علي مائدة المفاوضات «هذا هو الحد الأدني لما أستطيع القبول به، وما لم أحصل عليه هنا فسوف أحاول ذلك بوسائل أخري» - فإن هذا الطرف عليه أن يتفاوض إلي الأبد، وبغير نتيجة، وإذن فإن خيار الحرب هو الضمان الوحيد لخيار السلام!

* ولكي نكون أمناء أيضاً، فلقد كان أحد أصحاب الجلالة - الملك «الحسن» بنفسه - هو الذي مهّد لأول مفاوضات مباشرة بغير شروط بين مصر وإسرائيل، وهو الذي نقل الرسائل الأولي بين رئيس الوزراء «إسحق رابين» والرئيس «السادات» سنة ١٩٧٤، وهو الذي استضاف في قصره اجتماع «موشي ديان» ممثلاً لمناحم بيجين و«حسن التهامي» ممثلاً للرئيس «السادات» مضي إلي أبعد مما تصورناه أو كنا مستعدين لقبوله» - لأن مجرد الاجتماع أسقط سلاح الرفض العربي لإسرائيل.

(بعض الناس يقولون إن سلاح المقاطعة الكاملة لإسرائيل غير حضاري، وأنه إذا كانت إسرائيل حقيقة قائمة، فإن رفض الاعتراف بها جهل! - ولا يكلف هؤلاء أنفسهم عناء فهم موقف الولايات المتحدة مثلاً إلي رفض وجود الصين الشعبية أكثر من عشرين سنة تغيرت فيها موازين القوي العالمية، ثم كان بعد -

هذه العشرين سنة - وعلي ضوء مصالح متغيرة، أن الولايات المتحدة اعترفت بأن الصين موجودة - وكذلك لم يكلف هؤلاء أنفسهم عناء فهم دوافع إسرائيل إلي رفض الاعتراف بوجود شعب فلسطيني كانت الأرض كلها له، ولم يبق معه الآن إلا طلب الحق في تقرير مصيره!

أليس عجيباً أن إسرائيل رفعت حظرها أخيراً عن الموسيقي العظيم «شتراوس»، وكانت من قبل تقاطع أي حركة في موسيقاه، لأنه تولي منصباً في إدارة إحدي الفرق الكبري أثناء حكم النازي؟ - أليس عجيباً أن إسرائيل - وحتي اليوم - تفرض حظراً علي الموسيقي العظيم «فاجنر» لأن موسيقاه كانت بين مصادر الإلهام الجرماني لـ«أدولف هتلر»!!).

وإذا انتهي خيار الحرب. وإذا تم الاعتراف.

فما الذي يبقي للتفاوض؟

وأشهد - يا سيادة الرئيس - أنني كنت أشعر بالحرج في أعماقي - عندما كان وفد القمة العربية يتوجه إلي الولايات المتحدة ليعرض عليها مقررات القمة العربية محلاة بمشروع «ريجان»، مطعّمة بمشروع «فهد»، مضافاً إليها مشروع «بورقيبة».

خليط يستعصي علي المزج، وعلي الفهم!

وقد رفض «ريجان» قبل وصولهم أن يكون بين أعضاء وفد القمة - حين يستقبله - ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وقبلوا.

ثم كان اللقاء مع «ريجان»، وقد قال لهم فيه أكثر مما سمع، وكان ملخص قوله نفس ما تقول به إسرائيل تقريباً: «لا دولة فلسطينية، ولا اعتراف بمنظمة التحرير، ولا عودة إلي خطوط ما قبل ١٩٦٧، ثم إنني لا أسمع منكم كلاماً أهتم به قبل أن تعترفوا جميعاً بإسرائيل، وقبل أن تجلسوا معها».

وخرجوا من عنده يتحدثون عن القانون، ويجاهدون بمواده، ناسين أنه علي مستوي الأفراد أو علي مستوي الأمم، فإن أي قانون لا يساوي الورق الذي كتب عليه إلا إذا كانت وراءه سلطة إجبار.

وسلطة الإجبار في القانون علي المستوي الفردي - قوة البوليس.

وسلطة الإجبار في القانون علي المستوي الدولي - قوة الجيوش.

وإلا فإن القانون - محلياً ودولياً - يبقي قصاصة ورق، مهما كانت النصوص عادلة وحكيمة، وكانت الألفاظ مهيبة وبليغة!

ومع ذلك، فمن منا - يا سيادة الرئيس - لا يتمني من صميم قلبه أن ينجح الملوك؟

أشهد - بأمانة - أن تعاطفي اليوم شديد مع واحد منهم، أشعر أن الظروف وضعته بين المطرقة والسندان، وهو الملك «حسين»، ذلك أن المطلوب منه صناعة المستحيل.

تطالبه الولايات المتحدة بأن يتحدث عن الفلسطينيين، وهو يعلم علم اليقين أن إسرائيل لن تتنازل لهم عن شيء.

ويطالبه بقية العرب - وبقية الملوك - بأن يتفاهم مع الفلسطينيين، وهو يعلم علم اليقين أنهم لا يملكون التنازل له عن شيء.

وهو واقف وسط الساحة، يحاول أن يقوم بدور يدرك سلفاً - بتجربته ويقينه - أنه مؤدٍ إلي أبواب مسدودة.

وهو علي أي حال يحاول ويحاول لعل وعسي، عارفاً في أعماقه أنه ليس هناك «لعل»، وليس هناك «عسي»!

* * *

سيادة الرئيس

ذلك كله خارج موضوعي علي أي حال، ما يعنيني بهذا الحديث الآن هو مصر، والحقيقة أنني لست أعرف ما الذي دعا إلي طرح مسألة عودة مصر إلي الجامعة العربية في هذه الظروف.

ولقد كان الرئيس «جعفر نميري» هو الذي تبرع وتطوع لطرح هذه المسألة علي القمة، ومع أن تأجيل مناقشتها من مستوي وزراء الخارجية إلي مستوي الملوك والرؤساء كان ينبغي أن يلفت نظر الوفد السوداني إلي أن الجو ليس ملائماً بعد، فإن الرئيس «نميري» - بحسن نية - فتح باب المناقشة فيه علي مستوي القمة.

ولم يكن الجو مهيأ لعدة أسباب، رغم أن بعض المشاركين في المؤتمر قالوا بصدق كلاماً لا يحتمل التأويل عن مصر، وكان بينهم بالتحديد الرئيس «صدام حسين» والملك «حسين» والسيد «ياسر عرفات».

لم يكن الجو مهيأ لعدة أسباب بينها:

١- أن ظروف مصر لم تسمح لها بعد بإعادة ترتيب أولوياتها، وحتي يحدث ذلك فليس هناك ما يبرر دعوتها إلي العودة غير مجرد حسن المقاصد ونبل العواطف، وتلك كلها ليست دعائم سياسية.

٢- أن الفراغ الذي تركته مصر ملأه غيرها، أو حاول، وهذه طبيعة أي فراغ.

وبعض الذين ملأوا الفراغ - ربما بدون قصد منهم - لهم مخاوفهم من مصر، بحجمها بالنسبة لهم، ودورها قد يدفعهم إلي أبعد مما يريدون، ثم إن فكرها عندما ينطلق فيه الكثير من خواص النور والنار، وكلاهما لا بأس به إذا كان بعيداً، وكانت هي التي قررت بنفسها مسافة البعاد، ثم إنه لا بأس من بقاء مصر محاصرة، لأن خروجها من الحصار قد يأتي معه بآثار يصعب احتواؤها.

٣- أن هناك أطرافاً تسلم بأن دور مصر لا يمكن إسقاطه من الحساب، لكن بعض هؤلاء الأطراف - وكلهم علي صلة بمصر - يفضلون علاقاتهم معها ثنائية، بحيث يحاول كل منهم أن يستثمرها من الباطن.

٤- أن هناك بينهم من يتصور أن مصر تريد أن تعود لأنها محتاجة إلي المساعدات العربية، (ومن سوء الحظ أن بعضاً منا هنا شجع هذا التصوُّر).

٥- أن عدداً من الأطراف يريد إبداء التشدد حيال مصر، لعل هذا التشدد أن يكون غطاء للتساهل مع غيرها.

والمصائب كلها تعلق علي «كامب دافيد»، حتي لا يلتفت أحد إلي ما جري قبلها ولا إلي ما جري بعدها، وكأن «كامب دافيد» وحدها مقطوعة من شجرة.

* * *

ولم ينفتح باب القمة أمام عودة مصر، وربما كان ذلك خيراً.

أقول في النهاية - يا سيادة الرئيس - إن مصر عائدة إلي أمتها العربية حتماً - فذلك قدرها.

وأقول أيضاً إن عودة مصر لن تكون - ولا يجب أن تكون - من باب القمة، فذلك أقل من قدرها.

أتجاسر وأقول أخيراً - يا سيادة الرئيس - إن مصر سوف تعود إلي أمتها العربية في نفس اللحظة التي تعود فيها مصر إلي نفسها، وإلي حقائق وثوابت الجغرافيا والتاريخ، آخذة في اعتبارها - بفهم وعلم - متغيرات الظروف الإقليمية والدولية، وحقائق ووسائل العصر.

وتلك - يا سيادة الرئيس - مسؤوليتكم تضعها المقادير أمامكم، ووراءكم فيها شعب بأكمله يعرف أن المسؤولية ليست مهمة أيام أو شهور أو حتي سنة كاملة.

لكم كل الاحترام من مواطن يؤمن في صميم قلبه بأنه ليس هناك مستقبل لمصر بدون أمة عربية، بمقدار ما أنه ليس هناك مستقبل للأمة العربية بدون مصر.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر