تتمة المقال الخامس
كتبهاالعنقاء ، في 24 يناير 2008 الساعة: 19:42 م
ثم جاءت خطوة رفع الفوائد المصرفية لتحكم الطوق والحصار.
وصل سعر الفائدة علي الدولار في بعض الأوقات إلي أكثر من عشرين في المائة، وبهذا المستوي فإن نقد العالم السائل كله بدأ يتجه إلي الدولار دون حاجة إلي جهود ومخاطر الاستثمار.
كانت الولايات المتحدة تملي أولوياتها علي الجميع:
* كانت تستدين من الآخرين - بصرف النظر عن رضاهم، وبواسطة الـ «يورو دولار» - بما وصل حجمه إلي تريليون دولار، وأدي ذلك - ضمن ما أدي - إلي تضخم رهيب!
* وكانت فوائض أموال البترول - سواء ما يخص أمريكا نفسها وما يخص العرب - رصيدًا مضافًا إلي ما عندها.
* ثم إن رفع سعر الفائدة علي الدولار جعل نقد العالم السائل كله يتدفق علي الولايات المتحدة، دون مراجعة أو تحفظ!
* وبالارتفاع الجنوني في أسعار الفائدة، فإن إمكانيات الاستثمار في المجالات الطبيعية والعادية للتنمية أصبحت مشلولة، وساد كساد أضيف به هَمّ البطالة إلي هَمّ التضخم، ولم تقتصر الهموم علي أوروبا فقط، وإنما وصلت بعض آثاره إلي شطآن الولايات المتحدة نفسها.
والمهم في ذلك كله - من وجهة نظر هذا الحديث - أن الولايات المتحدة أصبحت في وضع يسمح لها، ليس فقط بتسخين حركة سباق السلاح، ولكن بدفعه إلي درجة الغليان.
أتذكر - يا سيادة الرئيس - واحدًا من أبرز ساسة أوروبا الغربية - وأغفل عمدًا ذكر اسمه، حتي لا أتسبب في إحراج له، إذا أنا نشرت علي لسانه دون استئذانه - قال أثناء حوار طويل بيننا، بلهجة فيها من الأسي أكثر من الغضب:
«كنا في أوروبا قد تنفسنا الصعداء عندما وقّعَت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي (نيكسون وبريچنيف) معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيچية، تصوَّرنا أن هذا الشد والجذب الذي يكاد يصل بنا إلي حافة الجحيم، سوف يهدأ ويمنح أعصابنا إجازة تستريح!
لكن الخطوات الأولي تعثرت، وكان ذلك في الواقع رجوعًا إلي الوراء.
فقد تأكد أن الولايات المتحدة مازالت مصممة علي إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته، وجرّه رغم أنفه إلي سباق للتسلح يقتص بطريقة خرافية من اعتمادات التنمية والرفاهية، حتي يثور الشعب السوفيتي، وتثور شعوب الكتلة السوفيتية، وليكن أن أصدقاءنا في واشنطن مقتنعون بهذه السياسة، التي تحقق بالموارد الاقتصادية ما لم تعد تستطيع تحقيقه مخزونات الأسلحة النووية، ليكن، أليس من حقنا أن نسألهم:
* متي تثور شعوب الاتحاد السوفيتي وشعوب الكتلة الشرقية؟ متي، والنظم هناك عنيفة وقادرة؟
* ماذا سيحدث لنا نحن خلال هذا كله، إذا أصاب الضرر أوروبا الغربية قبل الكتلة السوفيتية؟ يكفي أي إنسان أن يلقي الآن نظرة علي مشكلة البطالة عندنا، المتوسط العام في أوروبا الغربية كلها حوالي ١٢ في المائة - وما هو الحل؟
* ثم أي ثمن سوف تدفعه الولايات المتحدة نفسها في النهاية، إنهم هناك أغنياء، لكنهم سوف يواجهون الإفلاس أيضًا، وربما ذهب الاتحاد السوفيتي قبلهم، ولكن ماذا يفيدهم إذا كانوا أول أو آخر من يصل إلي الكارثة؟، كلنا سوف نصل إلي الكارثة. من دواعي الأسف أن غِناهم يصوِّر لهم أنهم قادرون علي تفادي الكارثة في الساعة الأخيرة، لكني أشك في ذلك.
* ثم إني أريد أن أسألهم: كيف يكون تصرف القادة السوفييت عندما يرون أن الخطر محدق بهم؟ ومن يضمن لنا أنهم في تلك اللحظة الحاسمة لن يقْدِموا علي المحظور، وليكن ما يكون؟
كانت تلك وساوس واحد من أبرز ساسة أوروبا، ولا أظنه الوحيد بينهم.
وربما زعمت - يا سيادة الرئيس - أن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن المناورات التي أدت إلي سقوط حكومة «هيلموت شميت» في ألمانيا الغربية، لأن «شميت» كان واحدا من الذين ضاق صبرهم بالسياسات الأمريكية، ولعل يأسه من قدرته وقدرة غيره علي التأثير في هذه السياسات كان - فوق ذلك - واحدًا من أهم دوافعه إلي اعتزال الحياة العامة في ألمانيا الغربية، وإصراره علي الابتعاد كلية!
ولقد كان الاتفاق علي مد أنابيب خطوط الغاز الطبيعي من سيبيريا - في الاتحاد السوفيتي - إلي أوروبا الغربية، هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
عارضت أمريكا هذه الصفقة، وفرضت عقوبات علي أطرافها من حلفائها الأقربين.
كان رأيها أن مبيعات الغاز الطبيعي لأوروبا سوف توفر للاتحاد السوفيتي سنويا عشرة بلايين من الدولارات، وهذا من شأنه أن يفتح ثغرة في الطوق، الذي يضيق يومًا بعد يوم.
ثم إن هذا الخط يجعل أوروبا الغربية - بمصالحها - وثيقة الصلة مع الاتحاد السوفيتي، وهذا من شأنه أن ينعكس علي سياسات الأمن، بما يؤدي إلي إعادة النظر في ميزانيات التسليح الأوروبية.
وحين شكا حلفاء أمريكا من ضيقهم بحظر تفرضه عليهم أمريكا، لاشتراكهم - وفق اتفاق تجاري - في تقديم بعض المعدات لخط أنابيب سيبيريا - في حين تقوم هي في نفس الوقت ببيع القمح للسوفييت - كان رد الرئيس «ريجان»:
«نعم، ولكننا بمبيعات القمح لهم نستنزف منهم أموالاً ولا نعطيهم أموالاً، ثم إننا نُظهر أمام جماهيرهم عجز أنظمتهم عن توفير الطعام لهم، ما نفعله نحن داخل نطاق خطتنا، وما يفعله أصدقاؤنا في أوروبا خارج نطاق الخطة»!
ولقد اضطر «ريجان» أخيرًا إلي تراجع تكتيكي برفع الحظر عن الشركات الأوروبية المتعاونة في خط أنابيب غاز سيبيريا.
لكنه تراجع تكتيكي، أما الاستراتيچية التي أملته فهي مازالت هناك!
* * *
سيادة الرئيس..
بصرف النظر عن الخطة الأمريكية، والأسباب والقوي التي فرضتها، والعواقب والآثار التي انتهت إليها، فإن أي مراقب محايد لا يسعه إلا أن يوافق علي أن «الخطة الأمريكية» حققت قدرًا لا بأس به من النجاح، تكاليفه غالية، ومخاطره قاتلة، فضلاً عن أن النتائج علي المدي البعيد غير مؤكدة - لكن الواقع الراهن - كما هو هذه الساعة - يشير بوضوح إلي أن الاتحاد السوفيتي يواجه أزمة كبري.
إن الاتحاد السوفيتي بلد ضخم بموارده المحتملة، كما أن كفاءته في التخطيط لتنمية هذه الموارد يمكن أن تزيد - لكنه يتعرض في تجربته لعملية نزيف مستمر:
١- كان عصر «ستالين» هو عصر بناء الصناعات الثقيلة في الاتحاد السوفيتي، وكانت هذه الصناعات قاعدة راسخة للتقدم، ومع أن التضحيات الإنسانية التي دفعت فيها كانت مروعة، إلا أن القاعدة جري بناؤها بنجاح، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وأصاب هذه القاعدة دمار ثقيل، إلي جانب التضحيات الإنسانية، لأن تلك الحرب كلفت الاتحاد السوفيتي ٢٢ مليونًا من القتلي، هم بالتأكيد جزء مؤثر من طاقته المنتجة.
٢- وحين عاد الاتحاد السوفيتي يعيد بناء قاعدته، ويحقق معدلات نموذجية في النمو، هبت عليه رياح الحرب الباردة، وفي أعقابها عاصفة سباق التسلح - نووي وتقليدي. وكان الاتحاد السوفيتي مازال أسير الشعور القديم الموروث من روسيا القيصرية، وهو الشعور بالعزلة والبُعد عن المركز المشع للحضارة الأوروبية، فقد كان هذا المركز يتحرك طوال قرنين بين «لندن» و«باريس» و«فيينا» و«استانبول»، في حين بدت «موسكو» وكأنها الريف البعيد عن عواصم النور، وحتي في عصور الازدهار الروسي - عصر بطرس الأكبر وكاترين العظيمة - فإن الازدهار الروسي بدا محاولة لا بأس بها من «البندر» لتقليد «المدينة».
٣- والواقع أن الاتحاد السوفيتي كان أضعف من منافسيه لأسباب:
- فذلك البلد - للإنصاف - لم يستفد من عصر الاستعمار قديمه أو جديده، وبالتالي فإنه كان يدفع أعباءه بنفسه ولا يملك وسيلة - حتي لو أراد - ليجعل غيره يدفع عنه بعض أعبائه. صحيح أن روسيا القيصرية توسعت بحدودها من جبال الأورال إلي شواطئ المحيط الهادي، لكن ذلك لم يكن استعمارًا بالمعني المتعارف عليه.
وكذلك وجد الاتحاد السوفيتي - حفاظًا علي نطاق أمنه المباشر - أن يساعد دول أوروبا الشرقية حتي تستطيع أن تقف معه أمام هبوب رياح الحرب الباردة.
بل إن الاتحاد السوفيتي وجد نفسه في وضع يفرض عليه مساعدة العالم الثالث الذي تعرَّض لاستعمار الغرب، وتحولت هذه المساعدات إلي عبء إضافي.
والنتيجة أن المواطن السوفيتي الذي كان يحلم بجنة الشيوعية، وجد نفسه محرومًا أكثر من غيره.
وكان محبطًا لهذا المواطن أن يذهب إلي «وارسو» و«بودابست» و«بوخارست» و«صوفيا» و«بلجراد» - فإذا بعض مظاهر الرخاء والرفاهية موجودة هناك بأكثر مما هي موجودة في وطن الشيوعية الأول!
٤- إن الاتحاد السوفيتي اضطر فعلاً إلي تغيير أولوياته، وقفز التسليح ليصبح الأولوية الأولي، وإذا كانت الولايات المتحدة تصرف علي التسليح ما متوسطه ٣٠٠ بليون دولار سنويا - فإن الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يصرف أقل، بلا «يورو دولار»، وبلا «فوائض بترول»، وبلا «سعر فائدة مرتفع علي الروبل»، وكان العبء يكسر الظهر، لكن الشعوب السوفيتية كان عليها أن تتحمل العبء دون أن تظهر عليها علامات التعب أو الضيق، الشكوي أو التمرد.
* * *
إن هذه الأوضاع كلها أحدثت آثارًا خطيرة علي تركيب الاتحاد السوفيتي:
١- لأن الأمن أصبح الأولوية الأولي، فإن الديمقراطية المركزية في الحزب تراجعت لحساب بيروقراطية الحزب وبيروقراطية الدولة.
٢- ولأن التسليح أصبح أولوية أولي فإن الاتحاد السوفيتي شهد بروز مجموعة سلطة جديدة علي القمة، كتلك المجموعة التي حذر «أيزنهاور» المجتمع الأمريكي منها في خطاب الوداع الشهير، الذي ألقاه قبل أن يغادر البيت الأبيض، وهي مجموعة التحالف العسكري الصناعي.
بيروقراطية الحزب، زائدًا عليها بيروقراطية صناعة السلاح، وفوق الاثنين بيروقراطية الجيش.
٣- إن ذلك أدي إلي جمود محسوس في حركة القمة السوفيتية، وفي استجابتها لمطالب شعبها في الرفاهية وفي الحرية، بدعوي أن أمن الدولة السوفيتية يجب أن يسبق أي كلام عن الرفاهية وعن الحرية. تحوَّلت الوسيلة (الأمن) إلي هدف أصلي، وتحوَّلت الأهداف الأصلية (الرفاهية والحرية) إلي عوامل ثانوية، أو علي الأقل إلي بند ثان علي قائمة الأولويات.
٤- إن ذلك توافق مع ظهور جيل جديد في الاتحاد السوفيتي. جيل وعي وازدهر وعيه بعد الحرب العالمية الثانية، وكان من حظه أنه لم يعش قهر المرحلة الستالينية، وخرج هذا الجيل يتأمل ويفكر في أحوال وطنه والعالم، بعيدًا عن القوالب الجامدة القديمة، وبعيدًا عن عقلية الحصار. ولم يكن هذا الجيل شديد الاقتناع بكثير يراه حوله، وكان اقتناعه أقل بالقيادة المتمثلة في المكتب السياسي الذي بدا أمام هذا الجيل - مجموعة من «العواجيز»، متوسط العمر بينهم ٧٠ سنة.
٥- وترتب علي ذلك أن الاتحاد السوفيتي - القوة الثورية العظمي في العالم - تحوَّل ليصبح من أكثر الدول محافظة، وأكثرها تخوُّفا من التغيير حتي في الأشخاص.
وعلي سبيل المثال، فقد ظل «بريچنيف» في الزعامة السوفيتية منذ قرب نهاية سنة ١٩٦٥، حتي قرب نهاية سنة ١٩٨٢ - أي قرابة ثمانية عشر عامًا، تعاقب أمامه خلالها علي الرئاسة الأمريكية ٥ رؤساء أمريكيين: «چونسون» - «نيكسون» - «فورد» - «كارتر» - «ريجان»، كل منهم جاء معه بفريق جديد يحمل أفكارًا متجددة، ويجرِّب سياسات وممارسات مختلفة.
«أندريه جروميكو» - وزير الخارجية - هناك منذ ثلاثين سنة، وليس هناك عقل في الدنيا يظل محتفظًا بحيويته واستعداده لرؤية الجديد إذا هو بقي «محنَّطا في مكانه ثلاثين سنة»!!
من الآثار الخطيرة لهذه الأوضاع كلها أربعة تستدعي اهتمامًا خاصًا:
* إن التجربة السوفيتية فقدت جزءًا من بريقها العالمي، وظهرت بقع الصدأ علي سطحها.
* إن الانقسامات راحت تتسع في العالم الشيوعي، بدأت بيوجوسلافيا، ثم تلتها الصين (كان الخلاف الصيني السوفيتي ذا أبعاد استراتيچية تمس موازين القوي الأعلي).
* إن اتجاه التيار العالمي الواسع بدأ يميل - ولو قليلاً - ناحية اليمين (بقع الصدأ علي سطح التجربة السوفيتية في مقابل الفوران الأمريكي، خصوصًا في مجالات التكنولوچيا وممارسة الحرية السياسية). وحين كان اتجاه التيار العالمي الواسع في الخمسينيات والستينيات يميل إلي اليسار - فإنه منذ منتصف السبعينيات بدأت المؤشرات ترصد اتجاهًا مضادًا إلي اليمين (باستثناء ما يسميه «شميت» «حزام الزيتون» علي الخط الممتد من اليونان إلي إسبانيا. والحقيقة أن هذا الاستثناء يمكن تفسيره بالتشوُّق إلي التغيير أكثر من التشوُّق إلي الاشتراكية).
* إن التجربة السوفيتية كلها بدأت تواجه حركة مراجعة من داخلها، وقد بدأت مراجعة أكثر منها تراجعا، فالإيمان بالأفكار الأساسية باق، ولكن الممارسة تترك مجالاً كبيرًا للتمني. وفي كل الأحوال، فإن الأفكار العظيمة لا يمكن أن تُترك رهينة في أيدي «العواجيز» من أعضاء المكتب السياسي أو من ماريشالات الاتحاد السوفيتي.
* إن الاتحاد السوفيتي - بمجمل هذه الآثار - أصبح مترددًا حيال أي مبادرات جريئة في المجال الدولي، وقد راح يعطي اهتمامه لأقصر الخطوط ويركز عليها: دفاعاته في أوروبا الشرقية، صواريخه الثقيلة، المحيطات والمسالك البحرية المحيطة به: المحيط الهادي - بحر البلطيق - المحيط الهندي.
* * *
وعندما قرر الاتحاد السوفيتي تقصير خطوطه والتزامه بالدفاع، فإن أعداءه أخذوا جانب الهجوم، وكان هجومهم عليه في محورين رئيسيين:
أوروبا الشرقية - والشرق الأوسط.
* في أوروبا الشرقية، كان أعداؤه قد تعلموا درس المجر سنة ١٩٥٦ (مجرد التحريض علي الإثارة) - ثم تعلموا درس «تشيكوسلوفاكيا» سنة ١٩٦٨ (الإثارة بقيادة قوة سياسية محلية هي الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي تحت قيادة «دوبتشك»). وكانت بولندا آخر تجاربهم، وهي حتي الآن أنجحها، ولم تكن تجربة بولندا هي الأشد إثارة فقط، ولم تكن حيوية قيادة سياسية ناشئة فحسب، وإنما كانت حركة شعبية عند القواعد، والقواعد العمالية بالذات.
وليس هناك شك في أنه كانت هناك جهود من الخارج لمساندة وتشجيع حركة التضامن، التي قادها «فاليسا»، وعلي سبيل المثال فإن تقريرًا بتاريخ ١٨ يونيو ١٩٨١ - وهو من أوراق بنك «أمبروزياني» الإيطالي - يقول إن مبلغ ١٢ مليون دولار حُوِّل إلي نقابات العمال في «بولندا» بطريق غير مباشر، وذلك بأوامر من الفاتيكان (البابا يوحنا بولس الثاني بولندي). وبالقياس علي ذلك، فلابد أن هناك مبالغ أخري غير هذا المبلغ، الذي انكشف أمره بالصدفة، بسبب التحقيقات التي جرت بعد موت - أو اغتيال - مدير هذا البنك «روبرتو كالفي» (كانت هناك بالفعل مبالغ أخري تصل إلي حركة التضامن عن طريق اتحادات العمال في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وهناك ما يشير إلي أن هذه المبالغ جاءت في الأصل من مصادر مشبوهة).
لكننا إذا قطعنا علي هذا النحو بأن هناك جهودًا من الخارج ساعدت وشجعت الحركة المعادية للسوفيت في «بولندا» - فإن علينا أن نقول في نفس الوقت إن حركة التضامن تقوم علي أساس، له فعله الذاتي.
إن أي أموال في الدنيا لا تستطيع أن تفتعل حركة رفض علي هذا النطاق الذي شهدته «بولندا».
هناك تشجيع من الخارج - مالي ودعائي - نعم.
ولكن هناك أيضًا دواعي حقيقية دفعت إلي التمرد في «بولندا».
ولابد أن نسأل: من الذي تمرد في «بولندا»؟ - تمرَّد العمال علي حزب الطبقة العاملة، وتلك ظاهرة لا يمكن لأحد - مهما حسن ظنه - أن يتجاهل معناها.
كانت صفحة ما حدث في «المجر» سنة ١٩٥٦، وفي «تشيكوسلوفاكيا» سنة ١٩٦٨، قد نُسيت، لكن الصفحة في «بولندا» فتحت وعلي نحو محرج ومزعج.
* * *
في الشرق الأوسط كان الهجوم علي الاتحاد السوفيتي ضاريا، ولابد أن نسلم أيضًا أنه كان ناجحًا.
كانت الحركة العالمية نحو اليمين أكثر بروزًا وظهورًا في الشرق الأوسط عن غيره من المناطق، لثلاثة أسباب بارزة:
* الأول: إن القيادة في العام العربي فترة السبعينيات انتقلت من الثورة إلي الثروة، وذلك بسبب أهمية البترول وضخامة فوائضه، والثروة بالطبيعة يمين - أقصي اليمين - خصوصًا إذا كانت ملكيتها قبلية.
* الثاني: إن الولايات المتحدة تملك في الشرق الأوسط ما لم يتَح لها في منطقة أخري من العالم غيره، وأوله رجل بوليس محلي يملك قوة غير محدودة علي الردع والضرب والإرهاب - أعني إسرائيل بالطبع.
* الثالث: إن المنطقة كانت مهيأة للتراجع عن مجموعة القيم التي سادت الخمسينيات والستينيات، لأن أموال البترول مضت تجري بغير حدود، ساحبة وراءها أنماطًا جديدة من الاستهلاك، تفتح الشهية لأنواع وألوان من السلع لا نهاية لها.
حدث هذا كله في الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي فيه يقصر خطوطه، ويلزم موقف الدفاع، وحدث في الوقت الذي وصل فيه الهجوم الأمريكي إلي ذروته، معززًا بقوة إسرائيل طليعة له، تفتح الطرق وتزيح ما عليها من معالم الأرض وكتل البشر.
* * *
سيادة الرئيس..
إن الفرصة أتيحت لي أن ألتقي قبل أسابيع قليلة - في عاصمة أوروبية - بمسؤول سوفيتي كبير - عضو في اللجنة المركزية، وواحد من المهتمين فيها بأمور الشرق الأوسط، كان غريبًا أن أسمعه يقول لي:
«لابد أن تزور موسكو في أقرب فرصة تستطيعها، تعال، وتستطيع أن تقابل بعض الكبار هناك لتحدثهم عن الشرق الأوسط، إنهم لم يعودوا راغبين في سماع شيء عن منطقتكم، يشعرون أنهم أحرقوا فيها أصابعهم، لهم الحق، لم يلق الاتحاد السوفيتي في أي مكان في العالم ما لقيه في الشرق الأوسط».
وراح يعدد الأسباب والتفاصيل:
- لم تقتربوا منا إلا وكانت لكم مطالب ملحَّة، والمطالب تتزايد باستمرار.
نحن لا نمل من تكرار ما حدث لنا في «أفغانستان». «أفغانستان» بلد ملاصق لجمهورياتنا في الجنوب، والدنيا كلها، تعرف أننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام أي شيء يحدث في «أفغانستان».
كان في «أفغانستان» نظام ملكي، وكنا نساعده بخمسين مليون دولار كل سنة.
قامت جمهورية بعد الملكية، وجاءوا إلينا يقولون: «نحن نظام أكثر تقدمًا»، ورفعنا مساعداتنا لهم إلي ١٥٠ مليون دولار.
ثم قامت ثورة تقدمية، وارتفعت مساعداتنا لهم إلي ٥٠٠ مليون دولار.
كل هذا والولايات المتحدة تلعب علي حدودنا.. وتحاول التدخل في شؤون «أفغانستان» الداخلية، وهي تعلم أن ذلك خطر، فليست هناك قوة عظمي تسمح لقوة عظمي أخري بأن تلعب علي حدودها، وتدخلنا في «أفغانستان» وتدخلنا هناك يكلفنا ٢٠٠٠ مليون دولار كل سنة.
ولا أحد يعترف لنا بدور أو يقدر ظروفنا.
خذ ما حدث في مصر، ساعدناها علي بناء مجمعات الحديد والصلب والألومنيوم وترسانات بناء السفن والسد العالي، وكله إلي جانب السلاح، قد حاربتم به في النهاية ووصلتم إلي نتائج لا بأس بها، أخرجتم الخبراء السوفيت، وسميتم العملية طردا، ولم يكن هناك ضرر من الاستغناء عن خدماتهم بهدوء ودون طرد!
وكنا نحاول مساعدتكم في المفاوضات من أجل حل سلمي، وكان قولكم لنا أنكم لا تستطيعون التفاوض مباشرة مع إسرائيل، ولا تستطيعون قبول مناطق منزوعة السلاح، ولا تتنازلون عن شبر من الأراضي العربية، معنا لم تتنازلوا عن أي ورقة ومع الأمريكيين تنازلتم عن كل الأوراق، ولو أنكم أعطيتمونا واحدا علي عشرة من التنازلات التي تركتموها للولايات المتحدة، لحصلتم علي حل مشرف أفضل مئات المرات من ذلك الذي حصلتم عليه.
كان الرئيس «السادات» يرفض التفاوض مباشرة مع إسرائيل في كل حديث له معنا، وفجأة وجدناه يهبط بطائرته في القدس!
خذ ـ بعد الرئيس «السادات» ـ خذ ما فعله «نميري» و«سياد بري».
لم تفكروا يوما في استثمار سنت واحد من أموال البترول في الكتلة السوفيتية، في حين أن أوروبا الغربية تستثمر!ـ ولعلها تستثمر من أموال عربية لديها!
عندما بدأت أزمة لبنان جاءنا قادة فلسطينيون يسألون عن رد فعل الاتحاد السوفيتي، ورد عليهم سفيرنا هناك «سولداتوف» قائلاً:
«إن رد الفعل السوفيتي سيكون بمقياس رد الفعل العربي».
أنت تعرف ماذا كان رد الفعل عندكم، وهل كان في استطاعتنا أن نكون عربا أكثر من العرب؟
ثم خذها مني، مصر هي العنصر الأساسي في العالم العربي، فإذا ناصبتنا مصر العداء، فما الذي يبقي هناك ليحرص عليه أحد في موسكو؟!
إن وزير خارجيتنا «أندريه جروميكو» قابل أخيرا عددا من الوفود العربية، وكان حديثهم إليه في إحدي المرات يحمل نبرة عتاب أو لوما مبطنا، علي أساس أن الاتحاد السوفيتي لم يقم بما انتظروه منه، وقال لهم «جروميكو»:
«أرجوكم أن تعرفوا أن رقعة الشطرنج العربية لم تعد عليها حجارة كافية، بل الحقيقة أن اللعبة انتهت عندما أكلوا الملك في مصر»!
إن الاتحاد السوفيتي آثر أن ينسحب مؤقتا من المنطقة، احترقت أصابعه فيها، وهو الآن يفضل أن ينتظر تفاعلات التاريخ، لكنه ليس علي استعداد لاستباقها.
لقد أصغيت إلي ما كنت أسمع باهتمام، وكان فيما سمعت كثير من الحق، كان فيه أيضا من المعاني ما لم يفصح عن نفسه بالكلمات وحتي إذا توارت المعاني فإن الحقائق يصعب إخفاؤها.
وأولي الحقائق أن الاتحاد السوفيتي، لا يمكن أن ينسحب من منطقة تقع مباشرة إلي جواره، وحتي بصرف النظر عن الجوار الجغرافي، فالمنطقة قلب الدنيا وبؤرة الصراع، ويصعب علي الاتحاد السوفيتي أن ينسحب منها، وإذا فعل، فهي فترة تراجع تكتيكي في انتظار تقدم استراتيجي عندما تسنح الظروف.
وفي كل الأحوال فإن الاتحاد السوفيتي ـ كواحد من القوتين الأعظم ـ موجود وجودا فعليا في كل بقعة من الأرض. أقماره ـ علي الأقل ـ ترصد كل حركة وتسمع كل همسة.
وأظن أن المقصود بالانسحاب السوفيتي في الفترة القادمة من أمور الشرق الأوسط هو تقصير الخطوط ـ أيضا ـ في الاتصال بحكومات هذه المرحلة التي شخصها المحللون السوفيت نهائيا، علي أنها مرحلة «البورجوازية الصغيرة»، وهي أقرب إلي الغرب مما تظن، وحتي إذا ظنت أن اقترابها من الغرب مؤقت ومرحلي.
ومعني ذلك ـ في المرحلة القادمة ـ أن الاتحاد السوفيتي سوف يولي اهتماما ـ في تعامله مع المنطقة ـ بالأحزاب الشيوعية التي طال تجنبه لها، مؤثرا عليها حكومات حركة الثورة الوطنية التي بدت له ـ في مرحلة من المراحل ـ أكثر فاعلية وأصدق تمثيلا لشعوبها.
…………
ولقد جاءت الآن علي القمة السوفيتية قيادة جديدة، ولا أعتقد أن هذه القيادة الجديدة سوف تحدث انقلابا في سياسة الاتحاد السوفيتي، وإن كان مؤكدا أنها ستضع بصمات أصابعها علي تحركات السياسة السوفيتية المقبلة.
وإذا جاز لي أن أتصور ـ وقد أتاحت لي ظروف سابقة أن أقابل «أندربوف» الزعيم السوفيتي الجديد، وأدخل معه في مناقشات طويلة، حضر الرئيس السادات واحدة منها، وكانت من عجائب المصادفات عن حرية الصحافة ـ فإني أستطيع القول بما يلي:
* إن «أندربوف» هو نموذج حقيقي للقوة الفاعلة في الاتحاد السوفيتي: تحالف الحزب، وجهاز الدولة، والقوات المسلحة.
* إنه لم يكن رجل مباحث أو مخابرات، كما تحاول أجهزة الإعلام في الغرب تصويره، وإنما كان مسؤول الأمن القومي في الحزب والدولة، بمثل ما كان «هنري كيسنجر» ـ علي سبيل المثال ـ في رئاسة لجنة الأربعين في البيت الأبيض أيام «نيكسون»، وذلك أعطي «أندربوف» صورة أكثر شمولا وتفصيلا عن أحوال العالم وأوضاعه، بل وشخصياته.
* إنه سوف يحاول تجديد شباب الحزب والحكومة والقوات المسلحة، فهذه هي المؤسسات التي يعرفها ويعرف دورها، ثم إن دوره هو مرتبط بها.
* إنه سوف يعطي أسبقية أولي للعالم الشيوعي ولَمّ شتاته: الصين أولا، ثم بقية بلدان دول أوروبا الشرقية، وسوف يكون أسلوبه مزيجا من القوة والمرونة.
* إن صلة الاتحاد السوفيتي، بالأحزاب الشيوعية الأخري في أوروبا الغربية والعالم الثالث، سوف تشهد محاولة تنشيط واعتماد متبادل، تكون لها آثارها علي سياسات الاتحاد السوفيتي الخارجية.
ولقد كانت السنوات الأخيرة من حكم «بريجنيف» سنوات تردد في الاتحاد السوفيتي، لأن عملية الانتقال بدأت فعلا، ولكن الظروف التي أحاطت بعملية الانتقال ـ صراعات ومناورات وتوازنات ـ فرضت علي القرار السوفيتي بطئاً لا شك فيه، وتحسسا لكل الاتجاهات، حتي يصدر القرار بإجماع هذه الاتجاهات ـ الأمر الذي أفقد السياسة السوفيتية ميزة المبادرة والجرأة.
ولست أقول إن «أندربوف» يمكن أن يقود الاتحاد السوفيتي إلي صدام، لكني أقول إن قيادته قد تنهي فترة كان الاتحاد السوفيتي يتصرف فيها من موقف رد الفعل دون الفعل.
ولقد بدا لي «أندربوف» في المرات التي لقيته فيها رجلا حاد الذكاء، واسع الاطلاع ليس فقط علي مجري الحوادث وإنما ـ وهذا أهم ـ علي اتجاهات الأفكار في العالم، وقد بدت لي فيه ميزة ملحوظة، هي استعداده لأن يسمع، سمعني في إحدي المناقشات قرابة نصف ساعة دون أن يقاطع ولو بحرف واحد، ولم يشرد طوال حديثي لحظة واحدة، وحين تكلم فقد لاحظت أنه تعرض لكل نقطة أثرتها. واعترف ـ علي استحياء ـ أنني توقعت في كتابي عن العرب والسوفيت، وقد صدر منذ خمس سنوات، أن «أندربوف» هو الذي سيخلف «ريجنيف». ويومها كان غيري من المراقبين يضعون رهانهم كله علي «كريلنكو» أو «تشيرننكو» ـ لكن «أندربوف» بدا لي الأقرب إلي مفاتيح القوة، لأنه بدا لي الأقرب إلي مفاتيح العصر.
ولعل ذلك الفهم لمفاتيح القوة ولمفاتيح العصر هو الذي مكن «أندربوف» من أسرع انتقال للسلطة في الاتحاد السوفيتي بعد وفاة «برجنيف» ومن أسرع مبادرة بعد السلطة وهي البدء بالصين.
ونحن بعد مازلنا في اللحظات الأولي من عهد يدخل بكل ما يحمله معه إلي وضع عالمي بالغ الدقة والحرج.
* * *
سيادة الرئيس..
ما هو مؤدي هذا كله، كله في خاتمة المطاف؟
مؤداه أن المحيط الدولي من حولكم معبأ.
من ناحية ـ فإن العالم يقترب من توتر عقائدي وسياسي وعسكري عنيف يمكن أن ينزل به في أي لحظة إلي الهاوية.
ومن ناحية أخري، فإن هذا العالم يقترب من احتمال زلزال اقتصادي اجتماعي، تتربص نتائجه بالجميع، لا تستثني أحدا.
وفي منطقتنا، فإن القوة الأمريكية طليقة والقوة السوفيتية مقيدة، أي أن التوازن ـ وإن كان مرهقا ـ قد مالت كفته بما يعطي لإسرائيل حرية في الحركة ليست لها حدود.
وفي الوقت نفسه، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية ـ وعواقبها الاجتماعية ـ تفعل بالفقراء أكثر مما تفعل بغيرهم.
هكذا فإن دفة سياستنا الخارجية لم تكن في يوم من الأيام تحتاج إلي ما تحتاج إليه اليوم من يد حازمة تمسك بها، وتوجه سيرها وسط الضباب المتلاطم.
(أعترف أنني لست متحمسا لبعض ممارساتنا في السياسة الخارجية).
لست متحمسا ـ علي سبيل المثال ـ لاشتراكنا في اللقاءات السنوية لمجموعة الفرانكوفون ـ المستعمرات الفرنسية السابقة ـ ليس هناك مكاننا.
ولست متحمساً لمعاهدة وقعناها مع السلفادور ـ ما دخلنا نحن بمثل هذه النظم الإرهابية في أمريكا اللاتينية؟
ولست متحمسا لاعترافنا الدبلوماسي بشيء اسمه «فرسان مالطة»!
لست متحمسا لشيء من هذا، ولكني متحمس ـ يا سيادة الرئيس ـ لكم، لأني متحمس لوطني، وفي هذه اللحظة فإني أربط بينكما، بين مصير وطن وقدر رجل. ومع أن ذلك خطر، إلا أن الظروف تواجهنا أحيانا بما لا نستطيع تجاهله.
وأول ما يواجهنا الآن هو أن نجاحكم ونجاح مصر ـ في هذه اللحظة بالتحديد ـ قضية واحدة، وإذ ندعو الله أن يحفظكم وأن يوفقكم، فإن الدعاء في نفس الوقت لمصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة, هموم ولاد بلدي | السمات:هموم ولاد بلدي, سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























