تتمة المقال السادس:اقتراح بإعادة السلطات كلها إلى الشعب.. لأنه وحده القادر على مسؤولية مطالبه

كتبهاالعنقاء ، في 28 يناير 2008 الساعة: 07:55 ص

وإذا لم تكن هناك حرب، ولا حالة حرب، وإذا لم نكن بقرب تحولات اجتماعية عميقة، وإذا لم نكن علي وشك اتخاذ قرارات درامية كبري، وكله علي أي حال بعيد أمام أحوال لها مهام أخري ـ إذن فنحن بالفعل أمام آفاق مختلفة تستحق التأويل.

* والآن نصل بإذنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ إلي الحقيقة الموضوعية الخامسة: وهي أننا ـ اتصالا بكل ما سبق ـ نواجه مأزقا سياسيا من نوع غريب. جماهير الشعب تطلب ما يمكن أن يدخل في نطاق المعجزات. ومؤسسة الدولة تقول إنها لا تستطيع صنع المعجزات.

المدهش أن كلا الطرفين علي حق، وهنا المأزق الذي يحتاج منا أن نفكر فيه، ونتدبر عواقبه ومضاعفاته، فهو بنفسه مستقبل مصر علي المدي القريب.

كيف يمكن أن يكون كل من الطرفين علي حق: طرف يطلب المعجزات، وطرف لا يستطيع صنع المعجزات؟

تفسير المأزق ـ فيما أتصور ـ كما يلي:

إن الجماهير تطلب من الدولة بحجم ما أخذت الدولة لنفسها من صلاحيات. ولقد أخذت الدولة في مصر صلاحيات (قوانين وإجراءات) لا مثيل لها في أي نظام في العالم:

فلديها من القوانين والإجراءات كل ما طلبته أسرة «محمد علي» لتثبيت دعائم حكمها ـ وكل ما طلبه الاحتلال البريطاني لبسط سلطته ـ وكل ما طلبته التجربة الحزبية بعد ثورة سنة ١٩١٩، سواء لصراعاتها الداخلية، أو كل ما طلبه الإنجليز من هذه التجربة بضرورات حربين عالميتين.

وعندما جاءت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، فإنها أضافت إلي هذه الصلاحيات كل ما وجدته لازما، لما سعت إليه من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، وما اقتضته أحوال الحرب والسلام مع إسرائيل، وأضيف إليها فيما بعد كل الصلاحيات اللازمة لمواجهة التطرف الديني ـ والفتنة الطائفية ـ و«ثورة الحرامية» ـ ثم مأساة اغتيال الدولة سنة ١٩٨١!

ولم يحدث أن عهدا من العهود ألغي ما سبقه من صلاحيات، بل احتفظ كل منها بالقديم وأضاف إليه، وكل هذه الصلاحيات تراكمت وتكدست في بطن السلطة، ثم تغيرت الأجواء، لم نعد في حرب أو حالة حرب، ولا نحن في عهد التحولات الاجتماعية العميقة، ولا نحن في زمن القرارات الدرامية الكبري.

وهنا فإن المواطن العادي ينظر حوله ويعجب ويستغرب:

أمامه أن مؤسسة الدولة تملك كل الصلاحيات ـ كلها، وبالتالي فإنه يطالبها بكل الاحتياجات ـ كلها. بمنطق أن من يمسك بكامل السلطة، عليه أن يقوم بكامل المسؤولية.

مقدمة ونتيجة لا يمكن لأحد، ولا يحق لأحد، أن يفصل بينهما!

وهذا هو المدخل إلي المأزق. لأن إلحاح جماهير الشعب في طلب احتياجاتها سوف يزداد. ومن ناحية أخري فإن سلطة الدولة سوف تزداد شعورا بالقصور عن تحقيق المعجزات.

وكلاهما علي حق ـ كما أسلفت ـ وهنا طريق صدام خطر.

هناك ـ يا سيادة الرئيس ـ من يتصورون أن الشعب المصري مسالم، وأنه علي استعداد لأن يتقبل إلي ما لا نهاية، وأخشي أن القول ليس دقيقا، وإنما هو مسرف في تفاؤله، أو هو مسرف في تشاؤمه.

لن أعود إلي التاريخ المصري القديم، وإنما أكتفي بما رأيناه في السنوات الأخيرة.

ـ أليس صحيحا أن أكثر من ٢ مليون شاب مصري، مروا بالخدمة العسكرية، وتمرسوا بكل فنون القتال، وعاشوا سنوات في خنادق الصحراء، وقيل لهم صباح مساء إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها؟

ـ وأليس صحيحا أننا بعد الحرب شهدنا سلسلة من الانفجارات تفاوتت قوتها، وكان أكبرها وأخطرها انفجار يناير ١٩٧٧؟

ـ وأليس صحيحا ـ بعد ذلك ـ أننا رأينا هجرة أعداد هائلة من شبابنا إلي الدين يأسا من الدنيا، ثم إن بعضا من هؤلاء عادوا إلي الدنيا بعواصف من الغضب، مازالت ماثلة في الذاكرة مشاهدها؟

ـ وأليس صحيحا أن هناك استفزازا يوميا للناس؟: سوء المرافق استفزاز ـ وغلاء الأسعار (نسبة تضخم بمعدل ٣٠ في المائة سنويا) استفزاز ـ وقصور الأداء استفزاز ـ والتفاوت الطبقي استفزاز ـ والفساد استفزاز ـ والمسافة بين الوعد والوفاء به استفزاز.

يضاف إلي ذلك أن القوي الاجتماعية المنظمة ـ أو القابلة للتنظيم ـ في مصر لابد أن يحسب حسابها:

ـ لدينا أكثر من ٢ مليون خريج جامعة.

ـ لدينا أكثر من ٧ ملايين عامل في الصناعة والخدمات.

ـ لدينا أكثر من مليون في الجامعة والمعاهد العليا الآن.

ـ لدينا أكثر من ٢ مليون مصري يعملون في البلاد العربية، وهؤلاء قوة تأثير اقتصادي واجتماعي وفكري لاشك فيها، وهم بعيدون عن تأثير أجهزة التوجيه في مصر (حتي أجهزة التوجيه هذه فقدت تأثيرها في مصر ذاتها).

بعض هذه القوي لديه تنظيمات سياسية تشارك في الحياة السياسية الظاهرة، وبعضها له انتماءات لتنظيمات تحت الأرض، لكن الأغلبية الساحقة منها ـ علي أي حال ـ غير منتمية لتنظيم، لكن مثلها وآراءها ومصالحها تجعلها كتلة هائلة.

هذه الكتلة هي عنصر الثبات في الوضع الاجتماعي المصري. والسؤال الكبير المعلق هو: إلي متي تظل هذه الكتلة ثابتة في مكانها لا تتحرك؟ ـ وإذا تحركت، فإلي أي اتجاه؟

أعود إلي تلخيص مقولتي الأساسية في هذه الحقيقة الموضوعية الخامسة:

ـ هناك جماهير تحتاج إلي ما هو في نطاق المعجزات، ومؤسسة دولة لا تستطيع صنع المعجزات.

(كلا الطرفين علي حق).

ـ وهناك مؤسسة دولة في يدها كل الصلاحيات، ولهذا فإن جماهير الشعب تطالبها بكل الاحتياجات.

(كلا الطرفين علي طريق صدام).

من حسن الحظ ـ يا سيادة الرئيس ـ أن وطنيتكم وحكمتكم أوقفت تداعي الأمور إلي نقطة اللاعودة.

لقد كنا بقرب احتمال صدام أثناء خريف الغضب سنة ١٩٨١، ولو أن القطارات ظلت علي القضبان أثناء ما أطلقوا عليه وصف «ثورة ٥ سبتمبر»، لكنا وصلنا إلي تقاطع طرق، تصادمت فيه حتي النهاية كل القوي وكل الاتجاهات وبقوة اندفاع، فالت عيارها!

لكنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ وهذه شهادة حق، تقدمتم بخطا واثقة، فأوقفتم تداعي الصدام الرهيب عند تقاطع الطرق. لكن واقع الحال، ومتطلبات المستقبل، تطالبكم ـ تطالبنا جميعا ـ باقتحام الطرق واسعة، بمسيرة إلي الغد سالمة، وإلي ما بعد الغد مأمونة!

* * *

بعد هذه الحقائق الموضوعية الخمس، أضيف ملاحظة يا سيادة الرئيس. أعترف ـ دون أن أدعي لنفسي شيئاً ـ أنني كنت باستمرار ـ ولاأزال ـ من أنصار عدم الإلحاح علي وقتكم وعلي شواغلكم، وحتي علي مستشاريكم.

ولم أكن راغبا ـ ومازلت غير راغب ـ في أي محاولة تقاطع تسلسل تفكيركم، حتي وإن كان لي ـ أو لغيري ـ رأي مختلف في تصرف هنا أو إجراء هناك.

وحين جاءني البعض ـ علي سبيل المثال ـ يتساءلون عن حكمة قبولكم لرئاسة الحزب الوطني ـ فقد كان تقديري وقد قلته لهم: «مادام هو قد رأي ذلك، فعلينا تقدير اعتباراته».

وحين جاءني البعض ـ علي سبيل المثال ـ يتساءلون عن تشكيل أول وزارة في عهدكم ـ فقد كان تقديري وقد قلته لهم: «مادام هو قد رأي ذلك، فهذا حقه، وعلينا تفهم سبب اختياره».

وحتي حين جاءني البعض يتساءلون عن مد قانون الطوارئ سنة أخري ـ فقد كان تقديري أنه تفصيل، والمهم أن نترك له فرصة كافية يصل فيها إلي نسق كامل، وإلي تصور محكم للإطار الذي يريده لعصره ولحكمه.

ثم إنه يبقي لكل واحد منا ـ إذا كان ذلك في استطاعته ـ أن يطرح أمامه وأن يقترح.

* * *

سيادة الرئيس

بإذنكم أمارس هذا الحق أمامكم، حق أن أطرح وأن أقترح، أو حتي حق أن أتمني وأن أحلم، محاولا أن أجيب عن السؤال الكبير: ما العمل؟

وعليه سوف أتجاسر وأقترح عليكم مشروع خطاب توجهونه إلي الأمة، أتصور ـ وقد أكون مخطئا ـ أنه يمكن أن يشكل بداية جديدة لم يعد هناك بد منها.

أقترح ـ يا سيادة الرئيس ـ مشروع الخطاب التالي منكم إلي الأمة:

يا جماهير شعبنا المصري العظيم

أتحدث إليكم اليوم عند مفترق طرق في تاريخنا.

وأعتقد أنني لست في حاجة إلي أن أشرح لكم حقائق ما تعرضت له مصر بالأمس، وحقائق ما تواجهه مصر اليوم، وحقائق ما ينتظر مصر في المستقبل.

كلكم يعرف الصورة كاملة، لأننا عشناها معا، أعباؤها مسؤوليتنا جميعا، ونتائجها مستقبلنا المشترك.

ومجمل الصورة يقول لنا إن مصر تحتاج إلي بداية جديدة، وأشعر أنني مستعد لها، وأشعر أيضا أنكم علي استعداد.

ولقد جئت إليكم اليوم بجدول أعمال لمهمة، أعتقد أنها تسبق كل المهام، وهى مدخل إلى كل المهام، التى ىتحتم علىنا ـ بعون الله ـ أن نفى بها.

لقد جئت إلىكم الىوم بجدول أعمال لمهمة إعادة البناء السىاسى والدستورى ـ بل والإنسانى ـ لهذا الشعب الذي كان علي الدوام مثالا لأمته العربية، وسيظل بإذن الله طليعة لها.

إن جدول أعمالنا لهذه المهمة المقدسة العظمي يتضمن الخطوات التالية:

١ـ تنتهي مدة مجلس الشعب الحالي ـ الذي انتخب في يونيو ١٩٧٩ ـ في يونيو سنة ١٩٨٤، واقتراحي ـ وأرجو أن توافقوا عليه ـ أن يستكمل مجلس الشعب الحالي مدته الطبيعية، لأسباب عديدة: بينها أن لا يحدث فراغ تشريعي، وبينها أن تكون الفترة من الآن وحتي صيف يونيو ١٩٨٤ فسحة تمهيد لحقبة جديدة.

٢ـ بالتوازي مع ذلك، ولضمان تمثيل كل القوي في مجتمعنا بالوزن الحقيقي لكل منها في تقدير الجماهير، فإني أعرض السماح بحرية تكوين الأحزاب السياسية.

ولضمان السلامة والجدية في تكوين الأحزاب الجديدة، فإني أقترح الضوابط التالية:

أ - كل جماعة تمثل فكراً تلتقي عليه مصالحها ومطالبها الاجتماعية وتريد أن تعبِّر عن نفسها سياسياً - يكون من حقها الشروع في تكوين حزب، شريطة أن تضع لنفسها برنامج عمل أساسياً.

ب - تقدم هذه الجماعات مشروعاتها إلي هيئة خاصة سوف أعلن تشكيلها من عدد محدود من الشخصيات العامة التي يلتقي الإجماع علي حكمتها ونزاهتها.

ويتحتم أن تتقدَّم هذه الجماعات بمشروعاتها إلي هذه الهيئة الخاصة، مصحوبة بتوقيعات موثقة من مائة ألف ناخب علي الأقل، وذلك ليس ضماناً للجدية فحسب، وإنما في نفس الوقت ضمان لقدرة هذه الجماعات علي الوصول بأفكارها إلي عموم الناس.

جـ - بعد موافقة هذه الهيئة علي المشروعات التي تُقَدَّم إليها ببرامجها المبدئية، وبالتوقيعات الموثَّقة لمائة ألف ناخب علي الأقل - يعلن قيام هذه الأحزاب رسمياً، ويكون عليها أن تعد برامجها التفصيلية للعمل الوطني، ويكون لها أن تدعو لهذه البرامج بكل الوسائل الشرعية، بما في ذلك حق هذه الأحزاب في صحف تعبر عنها.

د - أظنكم توافقونني علي أننا لا نستطيع - لا اليوم ولا غداً - أن نسمح بأحزاب علي أساس ديني، فنحن مجتمع يتعايش فيه دينان سماويان، وإذا سمحنا بأحزاب علي أساس ديني، فمعني ذلك أننا نفتح الباب واسعاً - لا قدَّر الله - لصراع أديان أو لفتن، وعلي أي حال فإن الدين ليس حركة سياسية، وإنما عقيدة سماوية، وتستطيع الأحزاب أن تستوحي ما تشاء من عقائد السماء، لكنه ليس من حقها أن تستغل هذه العقائد وسيلة إلي سلطة سياسية - أي دنيوية.

٣ - في نفس الوقت وبالتشاور مع كل القوي الوطنية فسوف أقوم بتشكيل لجنة قومية تضع مشروعا لدستور جديد تجري مناقشته علي أوسع نطاق بين كل قوي الشعب، وتنظيماته الطبيعية، مثل: النقابات المهنية والعمالية، واتحادات الفلاحين، والغرف التجارية،

 والهيئات القضائية، وهيئات التدريس في الجامعات، واتحادات الطلبة، ومن المرغوب فيه أن نضع تحت تصرف هذه اللجنة عدداً من مجموعات العمل تقوم بالتحضير لمناقشاته، خصوصاً في بعض القضايا الحيوية التي أصبح من الضروري أن نفصل فيها برأي نهائي،

وبينها - علي سبيل المثال - قضية الصحافة الحزبية وغير الحزبية، وقضية أن تظل أجهزة الإعلام الأخري - كالإذاعة والتليفزيون - في خدمة الناس، وقضية دور القطاع العام الذي أراه دعامة رئيسية من دعامات الإنتاج في وطننا، كذلك فقد يكون من المهم أن تكون هناك دراسة واسعة عن الضرورات الاستراتيجية لأمن مصر، بما في ذلك انتماؤها العربي.

وأقترح أخيراً لجنة خاصة لقضية حقوق الإنسان.

٤ - تجري انتخابات عامة لمجلس شعب جديد علي أساس مشروع الدستور الجديد، ويكون إجراء الانتخابات علي أساس مشروع هذا الدستور، وتكون مناقشته بعد ذلك وتعديله فيما يستقر عليه الرأي واعتماده بمثابة إصدار نهائي له، وإشارة إلي الشعب بأن ذلك دستوره الدائم، وعليه أن يحميه ويفديه.

٥ - إنني لا أحابي الحزب الوطني، ولا أجامله علي حساب أحد، ولكني أظن - من وجهة نظري - وأرجو أن تقروني عليها - أن هذا الحزب قام بدور كبير في مرحلة حرجة، ولدواعي الاستمرار والاستقرار فأنا أري أن تظل حكومة هذا الحزب، وبواسطة أغلبيتها في المجلس التشريعي القائم حتي نهاية مدته سنة ١٩٨٤، وهذا يعطيها الفرصة في عديد من المجالات:

أ - يعطيها الفرصة لتسيير أمور الشعب.

ب - يعطيها الفرصة لمواجهة الإرهاب.

جـ - يعطيها الفرصة لمواجهة الفساد والانحراف.

د - وعن طريق هذا كله، فإنه يعطيها الفرصة لبناء حزبها بنشاط متجدد وفاعلية وأصالة، يكون الحكم الفيصل فيها جميعاً للناخبين، حين يتقدم هذا الحزب - شأنه شأن غيره من الأحزاب - لطلب ثقة الناخبين في يونيو ١٩٨٤.

علي أن مقتضيات الإنصاف سوف تفرض علي الحزب الوطني أن يتنحي عن السلطة ابتداءً من شهر مارس ١٩٨٤، لكي تقوم بالإشراف علي إدارة الانتخابات حكومة مؤقتة أرأسها بنفسي حتي تكفل حيدة الإدارة في المعركة الانتخابية، وضماناً لصدق تمثيلها لقوي الجماهير.

٦ - بإذنكم سوف أضع رئاستي للجمهورية تحت تصرفكم فور صدور الدستور، وبإذنكم سوف أتقدم لترشيح نفسي من جديد علي أساسه لمدة رئاسة أخري وأخيرة، وبإذنكم أتقدم إليكم ومعي علي نفس البطاقة رجل أختاره نائباً للرئيس - بحيث تبدون رأيكم فينا نحن الاثنين في نفس الوقت،

 ولست أخفي عليكم أنني لست قرير العين بالأوضاع الحالية التي تسمح للرئيس القائم بالحكم أن يبقي فيه كما يشاء، ثم تسمح له كذلك أن يعين من يختاره نائباً له فيصبح بعده أقرب الناس إلي الرئاسة عملاً وفعلاً بحكم طبائع الأمور، إن هذا الوضع يجب أن يتغير، فتكون الرئاسة مدة واحدة خمس أو ست سنوات، وتكون مهمة نائب الرئيس مساعدة الرئيس في مهامه، وتكملة مدته إذا طرأ - لا قدَّر الله - طارئ.

وأصارحكم أنني كنت أتمني لو أنه كان في مقدوري أن أكتفي بدوري حتي الآن كجسر عبور مما هو قائم إلي ما ينبغي أن يقوم، لكنني أحس بشعور مواطن مصري شديد الولاء لوطنه ولأمته، بأن الجسر يجب أن يظل حتي يتم العبور كاملاً بسلام وإلي بر الأمان.

يا جماهير شعبنا المصري العظيم.

أنتم أصحاب كل الحقوق، وأصحاب كل السلطات، ويجب أن تعود إليكم بالكامل.

وأصارحكم القول بأن أمانينا الكبري لم تعد تستطيع الوفاء بها إلا إرادتكم أنتم، وعزيمتكم الصلبة، والطاقات الهائلة التي اكتسبتموها خلال تاريخ طويل مجيد.

هذا هو الطريق، وليس هناك طريق سواه، ليس هناك طريق آمن سواه.

والسلام عليكم ورحمة الله.

* * *

لقد فكرت طويلاً - يا سيادة الرئيس - وقلَّبْت وراجعت كل المعطيات والممكنات، ثم أعدت التقليب والمراجعة مرات بعد مرات.

وحاولت أن أكون عملياً وواقعياً، فلم أترك طموح الأماني يشدني إلي ما أعلم أن واقع الحال لا يسمح به.

وبذلت جهداً لكي أكون متوازناً ومنطقياً، لأن هناك أوضاعاً تفرض نفسها، وتجاهلها سذاجة، وقد يكون حماقة.

وفي النهاية، توصلت إلي ما ظننته مناسباً.

والحقيقة أنه لم يعد باقياً من موارد هذه الأمة إلا الإنسان، فلقد أُهْدِرت موارد كثيرة: أُهْدِرت موارد استراتيجية واقتصادية ومالية وفكرية، وأُهْدِرت تجارب، وأُهْدِرت حقب من النضال - حتي وصلنا الآن إلي خط الدفاع الأخير، لا نملك أن نتراجع عنه، ونستطيع أن نتقدم منه إذا استطاع «إنساننا» العربي في هذا العصر أن يمسك في ايديه زمام مصائره ومقاديره.

سيادة الرئيس

من فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الحقائق الموضوعية الراهنة، ويفتح في حصارها منافذ إلي استراتيجيات وسياسات قادرة بدورها علي الانطلاق بعد الحصار؟

ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الصدام القادم لا محالة، إذا استمر تجميد الحركة السياسية، بينما الواقع الاقتصادي والاجتماعي يغلي تحتها ويفور؟

ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية المعادلة الرهيبة بين جماهير تطلب معجزات مستحيلة عملياً، وأجهزة دولة تملك سلطات تكفي لصنع المعجزات؟ - كذلك يقول حجم السلطات!

ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية التقدم إلي الأمة العربية في جو الشكوك والريب السائد، وفي مناخ الخطر الذي تصنعه حركة واحتكاك هذه الأمة بقوة إمبراطورية صغيرة، ولكنها ضارية - في وسطها؟

ومن فينا يستطيع أن يتحمل تكاليف الصراع بين إمبراطوريتين هائلتين تتحفزان وتتربصان علي حافة المنطقة وعلي أطرافها، وفي القلب منها أحيانا؟

ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية إعادة فرز كل التراكمات المكدسة والمتناقضة: حقب استعمارية وإقطاعية، اشتراكية وتحررية، رأسمالية وانفتاحية - ولكل منها بقاياها وذيولها؟

ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية مراجعة كل التعقيدات التي صنعناها بأنفسنا لأنفسنا، لأننا أردنا في كل العهود - وليس في عهد واحد، حتي نكون منصفين - أن نُفَصل للمشاكل حلولاً علي هوانا، حتي مشاكل الحرية؟!

من فينا يستطيع أن يتحمل مثل هذه المسؤوليات؟ وغير هذه المسؤوليات كثير، بلا حصر ولا عدد.

إذن فإن الحل في يد الشعب، وإذا كان ما يواجهه من قبيل المستحيلات - فإنه وحده يقدر علي صنع المعجزات.

* * *

ولقد يستهول بعضنا هذه العملية، إذ يرونها بداية من جديد عند الخطوة الأولي من الخلق السياسي والدستوري والقانوني - لكنه كما يقول الفقهاء «لابد مما ليس منه بد» - ثم إن ذلك ما أخذت به شعوب ودول أخري أبعد منا عهداً بالحرية والديمقراطية، عندما عاشت أو عانت من أزمات كبري،

 تغير بعدها ما كان قبلها، ومن هذه الدول فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ضمن الحلفاء المنتصرين، وصاحبة مقعد دائم في مجلس الأمن الذي أقامه ميثاق الأمم المتحدة التي شاركت في تحقيق النصر علي النازية والفاشية.

وإذا كان الحق أحق أن يقال - إذن فلا مفر من الاعتراف بأنه لا بديل عن بداية جديدة ليس لها إلا مدخل وحيد، وهو أن ترجع الأمور إلي الشعب.

إذا كان يطلب المعجزات، فواجبه أن يصنعها.

وإذا كان هناك ما يدعو إلي التضحيات، فهو وحده الذي يستطيع أن يفرضها علي نفسه، لأنه هو الذي سيدفع تكاليفها.

وإذا كان عليه أن يتحمل كل المسؤوليات، فلابد أن تكون في يده كل السلطات.

نوفمبر ١٩٨٢

……….

يناير ٢٠٠٨

.. ومضي ربع قرن.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر