١١٣عاما علي الرحيل: الخديو إسماعيل.. أفندينا المفتري عليه

منذ رحيله في الثاني من مارس عام ١٨٩٥ علي شاطئ البسفور حيث منفاه، والجدل يتجدد بين الحين والآخر، حول فترة حكم الخديو إسماعيل، وعما إذا كان حاكماً «متفرنجاً»، استهدف التشبه بأوروبا مهما كلف مصر من ديون، أم كان يهدف لتحقيق «نهضة» يستكمل بها مسيرة جده محمد علي باشا، التي تعرضت لنكسة علي يد القوي العالمية.
الخديو الذي حصل علي لقب «أفندينا» بفرمان سلطاني من الباب العالي، رحل منذ ١١٣ عاماً، لكن آثاره باقية إلي اليوم، وتثير أسئلة تفرض نفسها بين وقت وآخر حوله.. ونحن إذ نستعيد بعضاً من تفاصيل سيرته، فإننا نهدف إلي معاودة التأمل في هذه السيرة بشيء من الموضوعية، خاصة أن حجم ما قام به من إنجازات يصعب التغاضي عنه، رغم كل السلبيات التي أحيطت بفترة حكمه.
الشاب الذي أكمل مسيرة جده
في كتاب «صفوة العصر» لزكي فهمي، ترجمة كاملة للخديو إسماعيل، فهو إسماعيل باشا ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا،وكان لديه شقيقان أكبرهما البرنس أحمد رفعت «ولد عام ١٨٢٥م»، والأصغر البرنس مصطفي «ولد عام ١٨٣٢م» وتوفي الأول في سن الشباب.
ولد إسماعيل عام ١٨٣٠ وتولي الحكم عام ١٨٦٣م وتم خلعه في ١٨٧٩م وتوفي عام ١٨٩٥، تربي في حجر والده وتعلم وتثقف في حياة جده الذي أسس مدرسة خصوصية في القصر لتعليم أبنائه وأحفاده، وجلب لها أمهر الأساتذة وعلي يديهم تتلمذ إسماعيل وتعلم مبادئ العلوم واللغات العربية والتركية الفارسية، بعد أن بلغ السادسة عشرة، بعث به جده «محمد علي باشا» مع أولاده أي أعمام إسماعيل «حليم باشا» و«حسين باشا» إلي باريس، وقضوا هناك بضع سنين، وتلقي إسماعيل باشا اللغة الفرنسية والرياضيات والتخطيط العمراني، وحين عادوا كان عباس باشا الأول والياً علي مصر، وحين وقع خلاف عباس وسعيد علي التركة انحاز أفراد العائلة العلوية إلي سعيد ومعهم إسماعيل، وذهبوا للأستانة للفصل في الخلاف، وعادوا وبقي إسماعيل وعين هناك عضواً في مجلس أحكام الدولة العليا.
وفي عام ١٨٥٤م توفي عباس باشا الأول، وتولي عمه سعيد باشا الحكم وحين عاد إسماعيل إلي مصر ولاه عمه رئاسة مجلس الأحكام، واهتم به أعظم اهتمام، وفي عام ١٨٦٣ توفي سعيد باشا فذهب العرش إلي إسماعيل كخامس حاكم لمصر في الأسرة العلوية بعد محمد علي باشا وإبراهيم باشا وعباس حلمي الأول وسعيد.
عمر الإسكندري وسليم حسن، في كتابهما «تاريخ مصر من الفتح العثماني إلي قبيل الوقت الحاضر»، يؤكدان أن إسماعيل باشا يعتبر المتمم الحقيقي لأعمال جده محمد علي باشا، والسائر بإصلاحاته في الطريق الذي أبلغ مصر الغاية التي هي عليها الآن، حيث تولي عرش مصر ومدارسها مغلقة ومشروعات محمد علي مهملة، فأحيا كل شيء من جديد.
ورغم أنه لم ينل حظاً وافراً من التعليم في نشأته، لكن ذكاءه وقوة ملاحظته ساعداه علي أن يقوم بعبء المشروعات الخطيرة.
يؤكد المؤلفان أنه لم يتلق تربية تؤهله للملك كما تربي سعيد قبله، ولم يكن يخطر ببال أحد أنه سيتولي عرش مصر يوماً ما، لأن ولاية العهد كانت لأخيه أحمد أكبر أمراء الأسرة، ولذلك بقي إسماعيل منشغلاً في إدارة شؤونه الزراعية، بعيداً عن حاشية سعيد أخيه إلي أن مات سعيد في حادثة غرق القطار الذي كان يستقله في النيل.
جلس إسماعيل علي أريكة الحكم في ١٨ يناير عام ١٨٦٣م، وكان عمره آنذاك ٣٢ عاماً، فلم يلبث أن ظهرت كفاءته ورغبته في الارتقاء بشأن البلاد، ومع الاعتراف بأن السرعة التي سار بها في سبيل هذا الإصلاح والإنفاق عن سفه أديا به إلي الاستدانة من أوروبا، وهو الدين الذي تضاعفت فوائده حتي صارت عبئاً كبيراً، مما استوجب التدخل الأوروبي في شؤون مصر، وقد يغتفر له هذا الدين، إذا قيمنا ما قام به من إصلاح وبناء ونهضة مع ملاحظة أن الخديو سعيد - قبله - قد فتح له باب الاستدانة المشؤوم إذ مات وهو مدين بعشرة ملايين جنيه.
استطاع إسماعيل الفصل في أمر وراثة العرش، إذ حصرها في أكبر أولاد الوالي، كما استطاع الحصول علي لقب خديو.. وهذا أمر عاد بالنفع علي أسرة محمد علي باشا فقط، لكنه أجري إصلاحات قضائية، وتحقيق المساواة بين الناس أمام القانون المدني والمحاكم المختلطة، وحقق طفرة تعليمية وحظر الاتجار في الرقيق، وأسس مجلس شوري النواب، ووسع مصادر الثروة في البلد بتنمية الزراعة والمشروعات العامة، وأتم مشروع قناة السويس وازدهرت في عهده الفنون والثقافة والصحافة.
«إسماعيل المفتش».. شقيق الخديو الذي ضيعه
حينما تقف في ميدان لاظوغلي وتولي ظهرك لوزارة الداخلية وما يجاورها من وزارات ويكون تمثال لاظوغلي أو «لاظ أوغلي» عن يسارك ستجد في مواجهتك شارع نوبار باشا، كان عليك أن تنظر إلي يسارك لتجد قصراً كبيراً جداً يجري ترميمه حالياً تحتله جراچات ومكاتب حكومية أحدها يتبع «الآثار».
وإذا كانت إحدي النوافذ الأرضية الضخمة والكثيرة بامتداد القصر مفتوحة فستري البدروم المعتم جداً تحت طوابق القصر الذي يأخذ شكل حرف «U»، ولا يمكنك أن تأخذ جولة داخل هذا القصر في أقل من نصف يوم.
هذا القصر كان لإسماعيل صديق المفتش شقيق الخديو إسماعيل في «الرضاعة» وقد رعاه وتبناه الخديو وأسند له وزارة المالية سنة ١٨٦٨م، وكانت البداية الوظيفية لإسماعيل صديق المفتش هي موظف صغير في الدائرة السنية، وسرعان ما استط
المزيد