الى متى ايها الدانماركيون؟؟

فبراير 20th, 2008 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

 

 


حديث الرجل الصالح

أكتوبر 7th, 2007 كتبها العنقاء نشر في , خاصة, دين اسلامي

من كتاب مغامرة في الصحراء للدكتور مصطفى محمود

هو رجل مغربي منقطع للعبادة في جبل

لم يشأ يذكر اسمه ولا مكانه ..

هو عبد الله في ارض الله.

يلبس جردا من الصوف ويجلس على الارض بغير فراش ويتوسد الحجر وما رأيت معه الا بعض كتب مخطوطة .. وما رأيته ضحاكا ..وما رأيته رافعا بصره في طريق ..

يكسب حياته من غزل الصوف ولا يأكل الا بضع تمرات فاذا ارتحل فأعشاب الطريق زاده.. وهو مورد الوجه يفيض صحة واشراقا .

سألته كيف تجد الكفاية في هذه الاعشاب.

فقال لي ..كف يدك عن الاذى وطهر لسانك من الغيبة وافتح قلبك للحب يجعل الله لك في كل عود اخضر من هذه العيدان غذاءا كاملا

سألته ان يعظني

فنظر الي في حياء وغمغم

قال الله للمسيح "يا عيسى عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس والا فاستح مني "

وانا لم اتعظ بعد لاعظك

فقلت له اذن تمنحني بعض الكلمات تكون زادي على الطريق

فقال وهو يرسل نظراته الى الافق البعيد .

اصرف كل اهتمامك الى العلم فان الله لا يعبد الا بالعلم.

لا تشتغل بطلب الدنيا فمن يشتغل بطلب الدنيا يبتلى فيها بالذل.

اذا خفت الله خاف منك كل شيء.

احذر صحبة النساء اتقاء على ايمان قلبك

الاستئناس بالناس من علامات الافلاس وفراغ العقل وهذا شأن من تراهم على المقاهي .. فلا شيء يؤتنس به ال

المزيد


هل حرق المسلمون مكتبة الاسكندرية؟

نوفمبر 11th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

 

نقلا عن الموسوعة الكاثوليكية

تجمع الموسوعة الكاثوليكية الكثير من الأدلة والبراهين التي تثبت ان المكتبة احرقت قبل دخول المسلمين لمصر وتنفي تورط المسلمين بحرقها بل وتسخف من يقول ذلك. ,وكما تقول الآية الكريمة ( وشهد شاهد من أهلها ).

 

( وحتى الى زمن جيبون فان الرواية المقبولة عن دمار المكتبة تفول انها دمرت بعد سقوط المدينة بيد المسلمين في عام 642 ب.م , وقد بنى يوحنا فيلوبونس صداقة مع القائد العام عمرو بن العاص سائلا اياه ان يهديه المكتبة. واحال عمرو بن العاص هذا الطلب الى الخليفة عمر بن الخطاب وتلقى الجواب التالي :

" إن كانت هذه الكتب اليونانية تتفق مع كتاب الله , فانها بلا فائدة, وليست بحاجة كي تحفظ, واذا خالفت كتاب الله , فانها فاسدة ويتعين تدميرها."

بناءا على ذلك فقد وضفت هذه الكتب كوقود في الحمامات, وقد دام استخدامها لستة اشهر .

هذه الرواية مرفوضة بسبب انها تعتمد فقط على ماذكره ابوالفرج وهو كاتب جاء بعد ستة قرون من ذلك الزمن, بينما الكتاب السابقون ,خاصة إيتيشيوس و إلماسين لم يذكروا هذه الحادثة قط. علاوة على ذلك فان هذه الأفعال تتعارض مع أعراف المسلمين. اما يوحنا فيليبونوس فقد عاش قبل قرن من سقوط المدينة (بيد عمرو بن العاص ) وتاريخ القول بان اللفائف قد استخدمت في الحمامات ودامت ستة شهور مخالف للعقل. واخيرا هناك الأدلة المعطاة اعلاه حول تدمير المكتبة قبل هذا التاريخ . )

 

مكتبة الإسكندرية : الموسوعة الكاثوليكية :

مكتبة الإسكندرية العظيمة والمميزة عن المكتبة الأصغر او المكتبة ( الإبنة ) في سيرابيوم, أسست من قبل أول سلالة بطليموس لغرض صيانة الحضارة اليونانية في وسط المصريين المحافظين.

إذا كان إنتقال ديميتريوس فاليريوس الى الإسكندرية بتاريخ 295 – 296 ق.م له علاقة بتنظيم المكتبة, فعلى الأقل يجب ان تكون خطة تشكيل هذه المؤسسة قد بدأت في عهد بطليموس سوتر( مات. 284 ق.م) , لكن الإنتهاء من المكتبة واكتمالها وربطها بالمتحف تحقق في عهد خليفته بطليموس فيلاديلفيوس. وحيث ان سترابو لم يذكر المكتبة في وصفه لمباني الميناء , فانه من الواضح انها لم تكن في ذلك الجزء من المدينة, وعلاقتها بالمتحف يشير الى موقع بروخيون أو الربع شمال الغربي من المدينة.

وبخصوص كيفية امتلاك ( المكتبة ) لكتبها, فكثيرة هي الأساطير التي رويت. لقد كانت السفن تُجبر على تسليم اي مخطوطة على متنها عند دخولها الميناء وتعطى بدلا عن المخطوطات الأصلية نسخا عنها. النسخة الرسمية للأعمال التراجيدية الثلاثة المملوكة لأثينا احتجزت بسبب خسارة الرهن المكون من خمسة عشر عملا, المرهونين من اجل استعادتها. وكانت المنافسة بين الإسكندرية و برجامون (مدينة يونانية ) شديدة الى درجة انه تم منع تصدير ورق البردي. والضرورة قادت الى التوصل الى اتمام أساليب اعداد الجلود لتكتب عليها, والمواد المحسنة اصبحت تدعى بـ البرشمان البرجماني (charta pergamena), والذي اشتق منه البرشمان. وهذا التنافس كان السبب في تأليف العديد من الأعمال الزائفة, فتم اعطاء المخطوطات مظهرا يوحي بقدمها وايضا نسخ سيئة ومهملة الطباعة.

لقد كان عدد الكتب في حالة تغير دائم, وهذا التفاوت كان بسبب ان التصريحات بعددها يعود لأزمان مختلفة. فقد قيل بان ديميتريوس فاليريوس امتلك 200.000 من لفائف البردي, لكنه أمل ان يزيدها الى 500,000. اما في زمن كاليماشوس فان عدد اللفائف كان 490,000 , ولاحقا , تحدث عن أولوس جيليوس و أميانوس مارسيلينوس امتلكوا 700,000 من اللفائف. من جهة اخرى فان اوروسيوس تحدث عن 400,000 لفيفة فقط, بينما قال س

المزيد


رسالة جامعية لبابا الفاتيكان

أكتوبر 16th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

خطاب مفتوح إلى البابا بنديكتوس السادس عشر

 الدكتورة زينب عبد العزيز

 حضرة المحترم/ أسقف روما، ومندوب يسوع المسيح، وخليفة أمير الرسل، و الحبر الأعظم للكنيسة العالمية، وكبير أساقفة إيطاليا، والمطران الأسقفي للمقاطعة الرومية، ورئيس دولة مدينة الفاتيكان، وخادم خدّام الله، ولم أذكر` باتريارك الغرب` لأنكم تنازلتم عنه.. كما لا يجوز لي إغفال لقب: رئيس مكتب عقيدة الإيمان (محاكم التفتيش سابقًا)، والأستاذ المتفرغ بالجامعات الألمانية، البابا بندكتوس السادس عشر،….. أبدأ بهمسة عتاب كزميلة في اللقب الجامعي وهو المستوى الذي يدور في نطاقه هذا الخطاب وكإنسانة مسلمة، نالها من الإهانة والمرارة والألم ما نال المسلمين في العالم أجمع مما ورد في المحاضرة التي ألقيتموها، في جامعة راتيسبون بألمانيا، تحت عنوان: ` العنف يتعارض مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح` فمن يحمل على كاهله أمانة ومسؤولية كل هذه الألقاب، عار عليه أن يتدنى إلى مستوى السب العلني لدين يتمسك به و يتّبعه أكثر من خمس سكان العالم.. وعار عليه أن يختار موقف التحدي الاستفزازي للنيل من الإسلام و المسلمين.. وهو موقف يندرج بلا شك ضمن مسلسل الإساءة و المحاصرة الذي بدأ منذ بداية انتشار الإسلام و يتواصل حتى يومنا هذا. أنه موقف وضعكم على أرض احتقار الآخر، و الكذب، و الجهل، باختياركم، وكلها تشبيهات لا تليق بمن في مثل منصبكم. فهو موقف يكشف عن مدى جهلكم بدينكم وبدين الآخرين من جهة، و من جهة أخرى، هو موقف أشبه ما يكون بإطلاق العنان لحملات صليبية جديدة ما أغنانا جميعا عنها.. وتؤكد جريدة `لاكروا ` المسيحية الصادرة في 17 / 9 / 2006، أن المحاضرة قد تم الإعداد لها طويلاً، وقرأها العديد من المحيطين بكم، مثلما يحدث مع كافة النصوص العامة على الأقل. كما تؤكد الجريدة أنه منذ يوم الاثنين 11 / 9 و ` بينما لم يكن البابا قد نطق محاضرته بعد، صدرت الصحف الإيطالية بعناوين حول بنديكت السادس عشر و الإسلام `! الأمر الذي يؤكد ربط هذه المحاضرة في هذا التوقيت بمسرحية الحادي عشر من سبتمبر!.. فما أصبح معروف يقينا رغم التمويه الشديد، أن الأيادي المدبرة أمريكية رفيعة المستوى. وكان هدف المحاضرة واضحا في ربطه بين الإسلام والإرهاب والشر.. أي أنه موقف متعمّد. ولقد جاء ردكم وتعبيركم عن ` الحزن ` الذي انتابكم من ردود الأفعال التي أثارتها محاضرتكم كعذر أقبح من ذنب، فالباحث الأكاديمي حينما يستشهد في بحثه، يكون ذلك لأحد أمرين: إما لتأييد موقفه، وإما لنقد ذلك الاستشهاد ولا يوجد هناك ما يسمى باستشهاد لا يعبر عن رأى كاتبه بالمعنى الذي حاولتم التبرير به: فالكاتب هو الذي يستشهد. وقولكم أن هذه العبارات لا تعبر عن رأيكم الشخصي، في الوقت الذي يؤكد صلب المحاضرة وسابق كتاباتكم وخاصة خطابكم الرسولي كلها كتابات تؤكد أنكم تعنونه، وذلك يضعكم في مصاف أولئك الباحثين الذين يضعون أفكارهم على لسان غيرهم حتى لا تحسب عليهم خشية عواقبها.. وهو موقف علمي يوصف بالجبن ولا يليق بمن في مكانتكم. وحتى التصريح الصادر عن المكتب الإعلامي للفاتيكان يوم السبت 16/ 9/ 2006 والذي استشهد فيه المتحدث الرسمي بقرار وثيقة ` في زماننا هذا ` الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965، فهو أيضا بمثابة عذر أقبح من ذنب، ويكشف عن الموقف غير الكريم والملتوي لكي لا أقول ذو الوجهين للفاتيكان. فمن يطّلع على محاضر صياغة هذا النص تحديدا يصاب بالغثيان من كثرة ما جاهد كاتبوه لاستبعاد أن العرب من سلالة إسماعيل، الابن البكر لسيدنا إبراهيم، ولا ينتمون إليه، وإنما يتخذونه مثلاً!. واستبعاد حتى أن الله قد خاطب المسلمين عن طريق الوحي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والمرجع صادر عن الفاتيكان بعنوان ` الكنيسة والديانات غير المسيحية`، وبه محاضر الجلسات المخجلة. الأمر الذي يوضح مدى تمسككم باستمرار ذلك الموقف غير الأمين تجاه الإسلام و المسلمين، لعدم الاعتراف به كديانة توحيدية. وسواء اعترفتم أو لا تعترفم به فالإسلام موجود ومعترف به من الجميع على أنه الرسالة التوحيدية الثالثة المرسلة للبشر، ورفضه أو إنكاره لا يدين إلا شخصكم. ولا يسع المجال هنا لتناول مختلف النقاط التي طرحتموها في تلك المحاضرة والتي تزيد عن العشرين موضوعا، وسأكتفي بالرد على ما يخص الإسلام، وهما نقطتان أساسيتان: ما وصفتم به الله عز وجل في ` المذهب الإسلامي ` من أن التصعيد المطلق لله عبارة عن مفهوم لا يتفق ولا يتمشى مع العقل والمنطق، ولا يمكن فهمه، وأن إرادته لا ترتبط بأي واحدة من فئاتكم المنطقية، ولا حتى فئة المعقول؛ وأن سيدنا محمد عليه صلوات الله، لم يأت إلا بكل ما هو شر ولا إنساني، مثل أمره بنشر العقيدة التي يبشر بها بالسيف!. وأول ما يجب توضيحه هنا هو ان الإسلام ليس بمذهب، كما وصفتمونه، وإنما دين توحيدي متكامل، شامل الأركان، ثابت وراسخ، وخاصة شديد المنطق والوضوح وهو ما يجذب الناس إليه. و مجرد إغفال مثل هذه الحقيقة يوصم موقفكم ويكشف عن مدى عدم الأمانة العلمية والموضوعية التي تتمسكون بها! ولن أحدثكم هنا عن الإسلام الذي يمكنكم دراسته إن شئتم، لكنني سأسألكم عن الكتاب المقدس بعهديه، والذي ترون أنه بقسميه يتفق مع العقل والمنطق دونا عن القرآن، مشيرين في موضع آخر ` أن العنف يتعارض مع طبيعة الله وطبيعة الروح، وأن الله لا يحب الدم و التصرف بمنافاة العقل يعد ضد طبيعة الله `. وهنا لا يسعني إلا أن أسألكم عن كل ما هو وارد بالعهد القديم من أمر الإله يهوة لأتباعه بإبادة كل القرى وحرقها وذبح الرجال والنساء والأطفال بحد السيف وأخذ الذهب والفضة… وفي مكان آخر يطلب تعذيبهم و تقطيعهم وحرقهم في أفران الطوب… هل تتمشى مثل هذه الآيات مع العقل والمنطق في نظركم؟ وخاصة هل ترونها تخلو من الشر واللا إنسانية؟! أم هذا هو التسامح الذي تقرونه! وما هو وارد في سفر حذقيال حين يأمره الرب أن يأكل خبزا وعليه `خراء الإنسان ` وحينما اشتكى النبي حزقيال أمره أن يضيف عليه روث البقر! هل يتمشى هذا مع العقل والمنطق في نظركم؟! وأخجل حقًا من ذكر بعض الإباحيات الواردة بهذا النص وغيره رغم محاولة درئها بتغييرها أو تعديلها من طبعة لأخرى.. والنصوص والطبعات موجودة. أما في المسيحية التي تترأسون أعلى المناصب فيها، فأبدأ بسؤالكم عن تأليه السيد المسيح في مجمع نيقية الأول سنة 325، رغم وجود العديد من الآيات التي يقول فيها السيد المسيح أن `الرب إلهنا واحد ` (مرقس 12:29)، `ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله` (متى 16:19 )، `إني أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهي و إلهكم ` (يوحنا 20:17)، ` للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد` (متى 4:10)، وما أكثر الآيات التي يوضح فيها أنه إنسان:` أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله ` (يوحنا 8:40)، كما أن هناك آيات تقول:` هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل ` (21:11)، و`قد قام فينا نبي عظيم ` (لوقا 7:16).. ورغم كل هذه التأكيدات التي لا تزال موجودة ولم تمحى بعد، قامت المؤسسة الكنسية بإعلان أن يسوع `إله حقيقي من إله حقيقي، مولود وليس مخلوق، ومشارك للآب في الجوهر`.. وبعد ذلك جعلته الله شخصيا، فهل تتمشى كل هذه المغالطات مع العقل والمنطق رغم أنها أدت إلى تقسيم المسيحية وإلى مذابح بين أتباعها؟! وفي مجمع القسطنطينية الأول تمت إضافة أن ` الروح القدس مشارك للآب في الجوهر`، مما أدى إلى إنفصال آخر للكنائس. وفي مجمع أفسوس سنة 431 أقر المجمع بدعة ` أن مريم أم الله `، مما أدى إلى معارك وانفصالات اخرى.. وفي مجمع خلقيدونيا سنة 451 أقر `الطبيعة الثنائية ليسوع `.. وكلها عقائد وقرارات لا يذكر ولا يعرف عنها يسوع أي شئ، فهل هذا يتمشى مع العقل والمنطق؟! والمعروف من إصداراتكم أنه لم يتم تقبل عقيدة التثليث لقرون طويلة بين الكنائس، بحيث نطالع في قرار مجمع فلورنسا المنعقد سنة 1439، الذي راح يحدد لليعاقبة معنى الثالوث لفرضه بلا رجعة، وينص القرار على ما يلي: ` إن العلاقة وحدها هي التي تفرق بين الأشخاص، لكن الأشخاص الثلاثة يكوّنون إله واحد وليس ثلاثة آلهة، لأنهم من جوهر واحد، و طبيعة واحدة، وألوهية واحدة، وضخامة واحدة، وخلود واحد، وأن ثلاثتهم واحد حيث لا تمثل العلاقة أي تعارض `، وعلى الذين لا يروقهم هذا الوضوح تجيب الكنيسة: أنه سرّ ! فهل مثل هذا المنطق هو الذي ترونه يتمشى مع العقل السليم ؟!.. تعتبرون سيادتكم أن نصوص الكتاب المقدس بعهده القديم، القائم على الترجمة السبعينية، وأناجيله الأربعة وباقي الكتب المرفقة، هو الكتاب الذي يعتد به فهو يحتوى على الإيمان الإنجيلي وتستعينون بفكره طوال محاضرتكم بعد استبعاد القرآن. والمعروف تاريخيا أن القديس جيروم هو الذي صاغه بأمر من البابا داماز، بعد توليفه من أكثر من خمسين إنجيلا كانت منتشرة ومستخدمة حتى القرن الرابع. وعند الفراغ من مهمته كتب مقدمة للعهد الجديد موجها إياها للبابا داماز يقول فيها: ` إلى قداسة البابا داماز، من جيروم تحثني على أن أقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد، وتريد منى أن أكون حكماً على نُسخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة في العالم، وأن أختار منها وأقرر ما هي تلك التي حادت أو تلك التي هي أقرب حقًا من النص اليوناني. أنها مهمة ورعة، لكنها مغامرة خطرة إذ سيتعيّن علىّ تغيير أسلوب العالم القديم و أعيده إلى الطفولة. وأن أقوم بالحكم على الآخرين يعنى في نفس الوقت أنهم سيحكمون فيه على عملي. فمن من العلماء أو حتى من الجهلاء، حينما سيمسك بكتابي بين يديه ويلحظ التغيير الذي وقع فيه، بالنسبة للنص الذي اعتاد قراءته، ولن يصيح بالشتائم ضدي ويتهمني بأنني مزوّر و مدنس للمقدسات، لأنني تجرأت وأضفت، وغيّرت، و صححت في هذه الكتب القديمة؟ ` وحيال هذه الفضيحة، هناك شيئان يخففان من روعي، الأمر الأول: أنك أنت الذي أمرتني بذلك؛ و الأمر الثاني: أن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقًا. وهو ما تقره أقذع الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفي بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية، ليقل لنا أعداؤنا أيها أصوب، لأن هناك من الأناجيل بعدد الاختلاف بين نصوصها. ولماذا لا يروقهم أن أقوم بالتصويب اعتمادا على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التي أساء فهمها المترجمون الجهلاء، أو بدّلوها بسوء نيّة، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها. `وإذا كان علينا دمج المخطوطات، فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء، أو الإضافات التي ادخلها الكتبة النعسانين؟ أنني لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية باللغة اليونانية التي لم تصلنا إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية. ولا أود أن أبحث هنا ما الذي سيقوله أكويلا أو سيماّك، أو لماذا آثر تيودوسيان الوسط بين المترجمين القدامى و الحداث. لذلك سأعتمد على الترجمة التي يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون. ` وأتحدث الآن عن العهد الجديد، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل متّى الذي كان قد استعان أولا بالعبرية لنشره في منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقينا عن الذي بلغتنا نظرا لتعدد المصادر التي استعانوا بها لتكوينه. وقد آثرت أن أرجع إلى نص أساسي، فلا أود الاستعانة بترجمات المدعوان لوشيانوس أو هزيكيوس التي يدافع عنها البعض بضراوة عن غير وجه حق، واللذان لم يكن من حقهما مراجعة لا العهد القديم بعد ترجمة السبعينية، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة. فالنصوص الإنجيلية التي وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء والإضافات التي بها. وإذا كنت قد قمت بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلا بد وأن أعترف بأنني لم استفد منها شيئا.` ذلك هو حال الكتاب الذي تعتبرونه مقدسا ! وأكتفي بهذا القدر من الاستشهاد لأن باقي النص متعلق بترتيب الأناجيل و تبويبها. وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي. أي أنه حتى ذلك التاريخ لم تكن الأناجيل المعروفة حاليًا قد استتب أمرها. واندلعت الخلافات بين الكنائس لمدة قرون طويلة، حتى قامت المؤسسة الكنسية الكبرى بفرض هذا الكتاب المقدس على الأتباع على أنه نصا منزلا و ` أن مؤلفه هو الله `، وذلك في المجمع التريدنتى س

المزيد


رسالة الحبيب الجفري الى بابا الفاتيكان

أكتوبر 16th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله سلّم
 
رسالة مفتوحة إلى قداسة البابا بندكت السّادس عشر
 
وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالـَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  . . .}
(القرآن الكريم، العنكبوت 29: 46)
 
قداسة البابا،
بالنسبة إلى محاضرتكم الّتي ألقيتموها في جامعة رِجنسبورغ في ألمانيا بتاريخ 12 أيلول/ سبتمبر 2006م، نحسب أنه من الملائم في سياق روح النقاش المفتوح أن نتناول استخدامكم لمناظرة جرت بين الإمبراطور مانويل الثاني باليولوجوس ورجل ’فارسي مثقف‘ كنقطة بداية لخطابكم حول العلاقة بين العقل والإيمان. ففي الوقت الذي نثني فيه على جهودكم التي تبذلونها في معارضة هيمنة الفلسفة الوضعية والمادية في حياة الإنسان، لا بد لنا أن ننوه إلى بعض الأخطاء التي وردت في إطار الطريقة التي أشرتم فيها إلى الإسلام على أنه الجهة المقابلة  للاستعمال المناسب للعقل؛ بالإضافة إلى بعض الأخطاء التي وردت في التأكيدات التي سقتموها لدعم حجتكم.
{  لا إكراه في الدين  . . .}
لقد ذكرتم بأنه "وفقاً لما يقرره أهل الدراية" فإنّ الآية القرآنية التي مطلعهـــا {  لا إكراه في الدين  . . .} (البقرة، 2: 256) تعود إلى بداية أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عندما "كان ضعيفاً وتحت التهديد"، وهذا غير صحيح. والصحيح الثابت أنّ هذه الآية تعود إلى الفترة الّتي كان فيها تنزيل القرآن الكريم متوافقاً ومنسجماً مع تنامي السيطرة السياسية والعسكرية للأمة الإسلامية الفتيّة. لم تكن آية {  لا إكراه في الدين  . . .} أمراً للمسلمين بالبقاء ثابتين راسخين أمام رغبة الذين ظلموهم وعذبوهم لإرغامهم على التخلي عن دينهم وإيمانهم؛ ولكنها جاءت تذكيراً للمسلمين أنفسهم عندما تحقّقت لهم أسباب القوّة والمنعة، أنه لا يمكن لهم أن يرغموا قلوب غيرهم على الإيمان. { لا إكراه في الدين  . . .} تخاطب أولئك الذين هم في حالة القوّة وليس الضعف. ولقد بيّنت التفاسير الأولى للقرآن الكريم (مثل تفسير الطبري) بأنّ بعض المسلمين في المدينة أرادوا إرغام أبنائهم ليتحوّلوا من اليهودية أو النصرانية إلى الإسلام، فكانت هذه الآية جواباً دقيقاً لهم بألاّ يحاولوا أن يُكرِهوا أبناءهم على الإسلام. هذا بالإضافة إلى أن المسلمين لديهم أيضاً توجيهات قرآنية هادية في هذا الصدد مثل: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ  …} (الكهف، 18: 29)؛ وأيضاً: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*  لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ   *  وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم   *  وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  *  لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ * } (الكافرون، 109: 1-6).
تنزيه الله تعالى
لقد قلتم أيضاً إنّ: "الإله، بالنسبة إلى التعاليم الإسلامية، مُنَزّه تنزيهاً مطلقاً"؛ وهذا تبسيط يمكن أن يكون مؤدّاه مضللاً. فلقد بَيَّن الله تعالى في القرآن الكريم أنه: {. . .  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . . .} (الشورى، 42: 11)، وبيّن أيضاً: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  . ..} (النور، 24: 35)، وقال: {. . .  وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } (ق، 50: 16)، وقـــــــال: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ  . . .} (الحديد، 57: 3)،
 وقال: { . . .  وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ  . . .} (الحديد، 57: 4)، وقــــال: {. . .  فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه  . . .ِ} (البقرة، 2: 115)؛ وكذلك دعونا نتذكر حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم الذي يبيّن فيه أن الله تعالى يقول (في العبد الصالح): "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (صحيح البخاري 6502، كتاب الرقاق).
في مجال التعليم المتعلّق بالرقائق وعلم الكلام والفلسفة، يعتبر المفكر ابن حزم (المتوفى 1069م) الذي استشهدتم به ،  شخصية فاضلة ولكن هامشيّة -  وإن كان ذا شهرة؛ وهو ينتمي إلى المذهب الظاهري الذي لا يتبعه أحد في العالم الإسلامي اليوم. وإذا أراد إنسان البحث عن ونصوص وصياغات أصيلة بشأن عقيدة التنزيه، فإن هناك شخصيات لدى المسلمين أهم بكثير من ابن حزم من حيث تأثيرهم ومرجعيتهم في مجال العقيدة الإسلامية مثل الإمام الغزالي (المتوفى 1111م) وكثيرين غيره.
                لقد اقتبستم مناقشة مفادها أنه بسبب أن الإمبراطور "كان متأثراً بشدة بالفلسفة اليونانية" فإنّ فكرة أنّ "الله لا يرضى عن سفك الدّماء" "أمر بَدَهي" بالنسبة له، وأنّ التعاليم الإسلامية بشأن تنزيه الله عُرضَت مقابلها كنموذج مضاد. فقولكم إنّ إرادة الله بالنسبة للمسلمين "غير مقيّدة بأي مقولة من مقولاتنا" يعتبر تبسيطاً أيضاً يمكن أن يفضي إلى سوء فهم. إنّ لله تعالى في دين الإسلام أسماء كثيرة منها: الرّحيم والعادل والبصير والسّميع والعليم والودود واللطيف. وإنّ اعتقاد المسلمين التّام بوحدانية الله تعالى وأنه {    وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدُ } (الإخلاص، 112: 4) لم يؤدِّ بهم إلى إنكار نسبة هذه الصفات إلى الله تعالى وإلى بعض خلقه، (مع الوضع جانباً الآن فكرة "المقولات" وهي عبارة تحتاج إلى إيضاح أكثر في هذا السياق). وحيث أنّ هذا أمر يتعلق بإرادة الله تعالى، فاستنتاجكم أنّ المسلمين يؤمنون بإله مزاجي يمكن أن يأمرنا بالشّر أويمكن ألا يأمر، فهذا يُغفِل قول الله تعالى في القرآن الكريم: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل، 16: 90)؛ تماماً كما يُغفِل قوله تعالى: { . . .  كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ  . . . } (الأنعام، 6: 12، انظر أيضاً 6: 54)؛ وبأنه تعالى قال: {. . .  وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . . .} (الأعراف، 7: 156). وإن كلمة رحمة يمكن أيضاً أن تترجم إلى الحبّ واللطف والشفقة. ومن كلمة الرحمة جاءت العبارة المقدّسة التي يستعملها المسلمون يومياً، { بسم الله الرحمن الرحيم }. أليس بدهيّاً أنّ سفك دم بريء يتعارض مع الرّحمة والشفقة؟
 
استعمال التفكير المنطقي
                إنّ التّعاليم الإسلامية غنية بتنقيباتها وبحوثها في طبيعة الذّكاء الإنساني وعلاقته بكنه الله تعالى وإرادته، ويتضمن ذلك تساؤلات بشأن ما هو بَدَهي وما هو غير بَدَهي. لكن الفصل بين "التفكير المنطقي" من جهة و"الإيمان" من جهة أخرى لا يوجد بنفس هذا الشكل تماماً في الفكر الإسلامي؛ بل إنّ المسلمين أدركوا قوّة الذكاء الإنساني وحدوده بطريقتهم الخاصة، مقرّين بتسلسل هرمي للمعرفة يقع التفكير المنطقي في جزء هامّ جداً منه. وهناك تطرّفان عمل المنهج الفكري الإسلامي الأصيل على تجنبهما عموماً: الأول، جعل العقل ال

المزيد


النسخ… ليس تحريفًا للقرآن(1)

أكتوبر 13th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

النسخ… ليس تحريفًا للقرآن

ا.د طه جابر العلواني

فأجأنا الدكتور الجابري بمقالته –في صحيفة الاتحاد الإماراتية- والتي اعتمد فيها على موضوع مختلف فيه أفرزته ظروف معيَّنة، وينتهي جُملةً وتفصيلاً إلى أفكار السجال والصراع التي نشأت في بعض فترات التاريخ الإسلامي، ألا وهي فكرة النسخ. ففكرة النسخ فكرة خلافية قديمة طُرحت على العقل المسلم باعتبارها تحديًا من تحديات الثقافة الشفوية التي كانت سائدة في بعض المناطق العربية في عصر التنزيل، وعززتها اتجاهات السجال التي جرت بعد ذلك بين بعض الطوائف والفرق الإسلامية بعد حدوث الفرقة وبروز الاختلاف. وقد استُغلَّ النسخُ في تلك الفترات من مختلف المتساجلين وجرّ إلى بروز بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمختلقة المقتبسة من الثقافة الشفوية ومن التراث الموبوء الذي دخل مجالات تفسير القرآن وانتقل منه إلى علوم القرآن ثم إلى علم أصول الفقه. ومع أن أهل العلم قد أعطوا تفسيرات عديدة لنظرية النسخ، واختلفوا فيه اختلافًا كبيرًا: في حقيقته، ومعناه، وكيفية الحكم به، وما إذا كان قضية مفترضة جائزة عقلاً أو أنها مع جوازها العقلي كانت قد وقعت. وأكثر الناسُ فيها كثيرًا، وذهبوا فيها مذاهب شتى ولا نستطيع أن نتصور باحثًا في مثل وزن الدكتور الجابري قد فاته ذلك الأمر أو الجدلُ فيه. كما لا نظنّ أن باحثًا يحترم نفسه ويعرف التراث الإسلامي حق المعرفة، ويقف منه موقف الناقد، لا يدري أن هذه القضية لا تدل –لا من قريب ولا من بعيد- على تحريف القرآن الكريم. فقد يكون التحريف شيئًا يمكن أن يُردَّ به على القائلين ببعض أنواع النسخ مثل الرواية الهزيلة: رواية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله) التي نسبوا إلى عمر -زورًا- أنه قال بأنها كانت مما يُقرأ في سورة `الأحزاب`، وهي نسبة لا يمكن أن تصحّ بأي حال من الأحوال، ولكنها قُبلت!. وحقيقة الأمر أن هذا النص (الشيخ والشيخة إذا زنيا..) هو نص من التوراة، وما يزال موجودًا بألفاظ مختلفة في أكثر من سفر من أسفارها. والذين نسبوه إلى القرآن كانوا مخطئين. وحتى لو صحّت أية رواية من تلك الروايات بأنه كان هناك نصٌّ بهذا اللفظ أو قريبٍ منه لمجرد أن الرواية قالت: `كان فيما أنزل`، و`ما أنزل` هنا يمكن أن يُراد به، ما أنزل في التوراة أو ما أنزل في القرآن، أو الإنجيل. وحمله على أنه كان مما أنزل في القرآن حملٌ خاطئ لا يصحّ وإن تبنّاه بعضهم. ولا نطنّ أنّ مثل الدكتور الجابري – الذي نَقَد العقل: تكوينه وبنيته- يُعجزه أن ينقد نظرية النسخ ويبيّن كيف شاعت ويقوم بتفنيدها، بدلاً من أن يقفز إلى القول بما قد يلزم عن بعض الأقوال الواردة فيها. ولتجلية هذا الأمر الذي كنّا نتمنى ألا يسقط أحد – في مستوى الأستاذ الجابري وفي هذه المرحلة من حياة الأمة – في إثارته على المستوى العام، وأن يبقى في دوائر أكاديمية قادرة على ممارسة النقد والتفكيك والتركيب، ولها مران وخبرة وقدرة على دراسة ومناقشة أمثال هذه القضايا. ولقد كتبنا دراسة في هذا الأمر أثبتنا فيها وبشكل نحسبه علميًّا خطأ القول بهذه النظرية، وناقشنا بتفصيل وإسهاب وبأسلوب أكاديمي -يعرفه المتخصصون- هذه القضية، وشرحنا جميع الروايات التي هوّل الجابري بها، وأسرج لها خيله وركابه، واعتبرها أدلة وهي أوهن من بين العنكبوت ليثبت بها دعوى يصعب علينا أن نجد لها تأويلاً وعوزًا في هذه المرحلة إلا الرغبة بالانضمام إلى ركب بابا الفاتيكان وأصحاب الصور الكاريكاتورية والجوقة البوشية في مهاجمة القرآن ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والشريعة الإسلامية، ومصادر التشريع والتنظير، وكأنها فرصة يجدها الغزو الخارجي والطابور الخامس الداخلي للإجهاز على مقومات الإسلام وحقائقه، غير مدركين أنهم بذلك يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. ولكي نضع القّراء الكرام في صورة المسألة، ونوضح لهم بالتفصيل الدقيق ما أجلب الجابري عليه بخيله ورَجِله دون أن يكلف نفسه عناء التوضيح والبيان، بل اكتفى بإطلاق الدعوى المفتراة، لتفعل فعلها في عقول العامة وليكون الطوفان ما دام ذلك يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الشهرة للكاتب وإلى إعلان انضمام للأجواق المعادية لهذا الدين وأهله، فنقول وبالله التوفيق: لمن نشغل القراء بالاختلافات الكثيرة حول حقيقة `النسخ` ومعانيه، فلقد نطقت بذلك كتبنا الأصولية، وفي مقدِّمتها كتاب `المحصول` - بتحقيقنا – وكتب `علوم القرآن`. ولذلك فإننا سنتجه فورًا إلى مناقشة ما بنى الجابريّ عليه دعواه: من أين جاء الخلل؟ إنَّ القول بالنسخ، وتأكيده بالشكل الذي نراه لدى علماء القرآن وجمهرة علماء الأصول إنَّما نجم عن أسباب كثيرة إضافة إلى ما أشرنا إليه سابقا، لعل من أبرزها تلك الروايات التي سبقت إلى الأذهان واستقرت فيها، وانشغلت بها العقول والقلوب زمنا طويلا حتى صارت مسلَّمات ضروريَّة، وأكثر الرواة من ترديدها وذكرها حتى صارت شهرتها صارفة عن البحث في صحتها من عدمها. إضافة إلى أسباب أخرى: أولها: عدم الالتفات بقدر كاف إلى `الوحدة البنائيَّة` للقرآن المجيد؛ باعتبارها محدِّدًا منهاجيًّا، بل وضعت في إطار الفضائل، وشاعت قراءته مفرَّقاً، مجزءًا كأنّه أعضاء مفرَّقة، ومما ساعد على شيوع هذا النوع من القراءة انصراف الأذهان إلى الأحكام الفقهيَّة الجزئيّة في الوقائع الجزئيّة، وسيادة الفكر الثنائي التقابليّ بدافع من التفكُّر الفقهيّ الجزئيّ والانفعال بالمأثور، وعدم ملاحظة منطق القرآن ومحاولة الكشف عنه وبناء منهجه، وقد قاد ذلك –كلُّه- إلى الوقوع في براثن هذه الآفة آفة النسخ، وتحويل `النسخ` إلى علم من علوم القرآن ألقى على القرآن المجيد كثيراً من الظلال القاتمة. ثانيا: عدم تحديد مفهوم `النسخ` تحديداً دقيقاً، فلو أنَّ المتأخرين التزموا بما فسّر المتقدمون `النسخ` به لما وقع ذلك الاضطراب الشديد الذي نشهده في هذه القضيّة لدى علماء القرآن والأصوليين ومن بعدهم لدى الفقهاء والمفسّرين. ثالثا: لقد اعتبر المتقدِّمون `النسخ` بمعنى `النقل` أو حقيقة في النقل فحسب، فالنّص الذي يشير إلى الانتقال من حالة إلى أخرى عدوه ناسخاً لما سبقه، إذا كان تخصيصاً لعام أو تقييداً لمطلق أو بياناً لمجمل، مثل قوله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً{ (الزمر:53) وقوله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ{ (النساء:116) وقوله: }وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى{ (طه:82) فالنسخ -عندهم- لا يعدو أن يوجد نصَّان يردان – في ذهن الفقيه - على قضية واحدة، أحدهما أو السابق منهما- بالذات- يدل على حكم في حالة، واللاحق يدل على انتقال عن ذلك الحكم، وتَحَوَّل في تلك الحالة إلى إطار الأمور الثلاثة التي ذكرنا (التقييد والتخصيص والبيان)، فهو أمر لغويّ يدور أحياناً على أدوات التخصيص اللّغويّ داخل الآية الواحدة، أو تقييد المطلق، وبيان المجمل في آيتين، فجاء المتأخِّرون ليضيفوا إليه المعاني التي جعلتنا في مقدمة هذه الدراسة نعتبر `النسخ نظريَّة` لا مصطلحاً، وقد شجَّع على ذلك النظر الجزئيّ، وظهور فكرة ومقولة `تناهي النصوص وعدم تناهي الوقائع`(1)، وحصر آيات الأحكام بعدد قيل: `240، وقيل 340 وقيل خمسمائة`، وكذلك حصر أحاديث الأحكام، فقيل: خمسمائة بقدر الآيات، وقيل: تسعمائة، وقيل ألف ومائة… إلخ. رابعا: في إطار ثقافة المأثور شاع ظنُّ ارتباط القرآن ببيئة النزول وبالمخاطبين في تلك البيئة. واعتبروا عصر القرآن عصر زمن الرسالة، والمطلوب تعميم الفهم الذي وقع للصدر الأول، لا تجدُّد فهم النّص وتجدُّد المخاطبة به في كل عصر وقرن، ولعل قول الشاطبي بعدم جواز فهم شيء من القرآن خارج دائرة فهم القرون الثلاثة الخيِّرة قد بناه على ذلك التصور وهو تصور فيه نظر(2). الإسراف في دعاوى النسخ لقد أسرف الأصوليُّون والكاتبون في علوم القرآن في دعاوى النسخ إسرافاً جاوز الحدود، وتباروا في بناء دعائمه وأركانه، ولعل بعضهم كان يتحرى ما يزيد به على سابقيه من دعاوى، وكأنّه نوع من الاجتهاد والكشف العلميِّ يتبارون فيه ويتسابقون إليه. ونظرة سريعة على إحصاء لقضايا النسخ في بعض كتب هذا الفن والكتب التي تتناول أساساً بعض أنواع النسخ، وهو ما نسخ حكمه وبقي رسمه، باعتباره أكثر الأقسام وقوعاً عندهم يبيِّن إلى أي مدى انشغل العلماء بهذه القضية، وكم أنفقوا من الجهود الغالية المضاعفة فيها ومن هذه الكتب: 1. كتاب قتادة بن دعامة ت 117، عالج حوالي (40) قضية نسخ. 2. كتاب محمد بن حزم ت 978 (وهو غير ابن حزم الظاهري): (214) قضية. 3. كتاب أبي جعفر النحاس ت 245: (134) قضية. 4. كتاب هبة الله بن سلامة (213) قضية في الموضوع. 5. كتاب مكي بن أبي طالب (195) قضية. 6. كتاب ابن الجوزي (148) قضية. 7. كتاب العتائقي:(224) قضية. 8. كتاب ابن البارزي (249) قضية(3). أما السيوطي في الإتقان فقد حصر النسخ في عشرين قضية، وأقام الأدلة عليها، ثم نظم قصيدة فيما ترجح لديه، ومطلع نظمه: وقد أكثر الناس في المنسوخ من عدد وأدخلوا فيه آيًا ليس تنحصر وهاك تحرير آي لا مزيد لها عشرين حررها الحذاق والكبر(4) وحصرها الشيخ أحمد شاه دهلوي (المتوفى سنة 1179) في خمس آيات فقط(5)، ناقضاً ما أورده السيوطي في الإتقان، وحصرها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في حوالي تسع آيات فقط(6)، وحصرها الدكتور مصطفى زيد في ست آيات فقط(7)، وهذا التباين الواسع يوضح مدى ما تحتاجه قضية النسخ ومسائلها المختلفة إلى جهد لتحرير قضاياه، ونفض اليد منه، وتنقية مقرّرات التعليم منها نهائيًّا وإلى الأبد. وجهة مقابلة: وقد شعر غير واحد من أئمة المتقدمين بمدى حاجة هذه القضية الخطيرة إلى تحرير وتنقيح، فهذا الإمام مكي بن أبي طالب، يقول: `اعلم أنَّ أكثر القرآن في أحكامه وأوامره ونواهيه ناسخ لما كان عليه من قبلنا من الأمم، وقد أدخل أكثر المؤلفين في الناسخ والمنسوخ آياً كثيرة، وقالوا: نسخت ما كانوا عليه من شرائعهم، وما اخترعوه من دينهم وأحكامهم، وآياً كثيرة ذكروا أنَّها نسخت ما كانوا عليه مما افترض عليهم، وكان حق هذا ألا يضاف إلى الناسخ والمنسوخ، لأنَّا لو اتبعنا هذا النوع لذكرنا القرآن كلَّه في الناسخ والمنسوخ`!!. وهذا ابن الجوزي يقول في مقدِّمة كتابه: `أمَّا بعد فإنَّ نفع العلم بدرايته، لا بروايته. وأصل الفساد الداخل على العلماء: تقليد سابقيهم، وتسليم الأمر إلى معظَّميهم من المتقدِّمين، من غير بحث عما صنَّفوه، ولا طلب للدليل عما ألَّفوه، وإنيِّ رأيت كثيراً من المتقدِّمين على كتاب الله -عز وجل- بآرائهم الفاسدة… ثم إني رأيت الذين وقع منهم التفسير صحيحاً قد صدر عنهم ما هو أفظع فآلمني، وهو الكلام في الناسخ والمنسوخ، فإنَّهم قد أقدموا على هذا العلم فتكلموا فيه، وصنّفوه، وقالوا بنسخ ما ليس بمنسوخ ومن نظر في كتاب الناسخ والمنسوخ للسدي رأى التخليط والعجائب، ومن قرأ كتاب هبة الله المفسر رأى العظائم، وقد تداوله الناس لاختصاره..(8)`(9). ويقول بعد أن ذكر ما زعمه جماعة من المفسرين في حصر السور التي تضمنت الناسخ والمنسوخ قال: واضح بأنَّ التحقيق في الناسخ والمنسوخ يُظهر أنَّ هذا الحصر تخريف من الذين حصروه) 10). ويقول السيوطي: `إنَّ الذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا علاقة له بهما بوجه من الوجوه، وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ ومنه قوله تعالى: }وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ { (البقرة:221) قيل: إنه نسخ بقوله تعالى: }وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ { (المائدة: 5) وإنما هو مخصوص به، وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهليَّة، أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعيَّة القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث، وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب، وهو الذي رجحه مكيٌّ وغيره ووجَّهوه بأنَّ ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه؛ إذ كلُّه أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب. قالوا: وإنَّما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية فإذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إنَّ آية السيف لم تنسخها(11). وقال ابن العربي: قوله تعالى: }فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ{ (التوبة:5) ناسخة لمائة وأربع عشرة آية، ثم صار آخرها ناسخاً لأولها وهي قوله تعالى: }فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَواةَ وَءاتَوُاْ الزَّكَواةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (التوبة:5) قالوا: وليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنَّة إلا قوله في الأحقاف: }قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ { (الأحقاف:9) وناسخها أول سورة الفتح. قال ابن العربي: ومن أغرب آية في النسخ قوله تعالى: }خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ{ (الأعراف:199) أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم(12)!! فتأمّل!! وهذا التصور لحدوث النسخ في الآية الواحدة تصور يعارض مفهوم `النسخ` ذاته، وكما فهموه من حيث هو إبدال آية مكان آية، من جهة أنَّ الآية الأولى `فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ..` (التوبة:5) تأمر بقتل المشركين بعد نهاية هذه الأشهر إلا إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وليس في هذا الشرط نسخ أو تغيير في الحكم. آما الآية الثانية: }قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ { (الأحقاف:9) فهي حوار مع أهل مكة كما يتضح من سياقها داخل السورة، فهي آية مكيَّة لا علاقة لها بأول سورة الفتح المدنية التي نزلت عند الانصراف من الحديبية نوعاً من البشارة للنبيِّ –صلى الله عليه وآله وسلَّم- والمسلمين، والآية تدل على أنّ `عدم دراية النبيّ` تنصب على نتائج علاقته بقومه التي ساءت بسبب الدعوة بدليل قوله: `إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إليّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ` (الأحقاف:9) كما أنَّها توكيد لبشرَّيته –صلى الله عليه وآله وسلَّم- وبيان أنّه بشر مثلهم ولكنّه بشر رسول، شأنه شأن بقيّة المرسلين الذين اصطفاهم الله –تعالى- وهم يدعون الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته، لا لأنفسهم، والله –تبارك وتعالى- هو المتصرّف الأوحد في شئون عباده كافّة ومنهم الرسل والله –تبارك وتعالى- قد أمره أن يقول لأهل الكتاب: }وَإِنَّا أو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{ وهو على يقين أنّهم على ضلال مبين وأنّه على هدى، فذلك أسلوب خطاب لا علاقة له بالأحكام. والقول في الآية الثالثة `خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ` (الأعراف:199) بأنَّ أولها منسوخ بالزكاة وآخرها منسوخ بالأمر بالقتال قول لا يستقيم، بل هو من قبيل التزيّد، بل المجازفة التي لا سند لها ولا يليق ذكرها وتدوينها في مباحث القرآن المجيد، وتداولها بين الباحثين فيه. بقاء ما ادُّعي نسخه في القرآن وإذا فرضنا قبول نظريَّة النسخ –على سبيل الإجمال والتنزل– فلماذا بقيت الآيات التي زعم الزاعمون نسخها في القرآن تتلى فيه ويتعبَّد الناس بتلاوتها مثلها مثل سائر آيات القرآن الكريم، ما دامت قد فقدت وظيفتها التشريعيَّة وحكموا بنسخها – ولم يبق منها – حسب زعمهم – إلا ألفاظ مفرغة، حيث إن ما اشتملت عليه من تشريع هو أساس التعبُّد بها؟! لقد ذهب بعضهم إلى أنَّ بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة يعد أمراً ضروريًّا؛ وذلك لأنَّ حكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرة أخرى(13)، وقد أدرك العلماء ذلك حين ناقشوا موقف النّص بين أمر المسلمين بالصبر على أذى الكفار وبين أمره بقتالهم، وقالوا: إنَّ الأمر بالصبر من قبيل `المنسأ`(14) الذي يتأجل العمل به، أو يلغى إلغاءً مؤقتاً أي: انتظارًا لتغير الظروف – وهو ما يعرف عندهم بإيقاف العمل بالنّص لعدم وجود المحل، كما قالوا في سقوط غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء عن فاقد قدميه - فإذا عادت الظروف إلى ما كانت عليه قبل ذلك عاد حكم المنسأ إلى الفعاليَّة والتأثير، فكان كل أمر يرد يجب امتثاله في وقت مّا لعلة مّا توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل عنه بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنَّما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أو العمل به أبداً..، قالوا: ومن هذا قوله تعالى: }يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ{ (المائدة: 105) ومثله قوله تعالى }لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ{ (الكافرون:6)، حيث إن مثل هذه الآيات نزلت والجماعة الإسلاميَّة في طور التكوين، فهي في حاجة لأن تصرف كامل عنايتها لعمليَّة التكوين والبناء الذاتيّ قبل أن تنطلق لدعوة الآخرين، فلما تمّ بناء الجماعة وكمل تكوينها الذاتي وصارت قادرة على حمل الرسالة إلى الآخرين والشهود بها عليهم، نزلت الآيات الموجِّهة لهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيصال الهدى والنور إلى سواهم، ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلَّم- في قوله: `بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ`(15) ينسأ التكليف بحمل الرسالة إلى الآخرين بالشكل الجماعيّ، وقال -صلى الله عليه وآله وسلَّم- `حتى إذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كل ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ`(16) (يَعْنِي اهتم بإصلاح نفسك). وهو -سبحانه وتعالى- حكيم أنزل على نبيه - صلى الله عليه وآله وسلَّم- حين كانت الأمَّة في طور تكوينها ما يليق بتلك الحال، رأفة بمن اتَّبعه ورحمة، إذ لو وجبت لأورث ذلك حرجاً ومشقة؛ لأنَّه من قبيل `تكليف ما لا يطاق`، فلما تم بناء الجماعة والأمّة، وأصبحت قادرة على حمل الأعباء ودعوة الأمم والتفاعل معها أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام، أو بأداء الجزية إن كانوا أهل كتاب أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب، بل كانوا من مشركي العرب. فإذا تغيَّرت الحال أخذت كل حال ما يناسبها من الحكم والتوجيه، وليس حكم المسايفة ناسخاً للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وليست بديلاً عنها. وكذلك العكس، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته(17). إنَّ بعض الكاتبين في علوم القرآن قد أخرجوا هذا `المنسأ` من باب `الناسخ والمنسوخ` وجعلوه شيئاً آخر يعطي فرصة للتخلُّص من تلك الأحكام القلقة - التي لا دليل على وقوع النسخ فيها، بل هو أقرب إلى التأويل الذي قد يجعل المنسوخ -كلَّه- من باب `المنسأ` ويكون معنى التبديل في الآيات التي ناقشناها قبل ذلك هو تبديل الأحكام في أنظار المجتهدين لا تغيير النصوص ذاتها، ولا إبطال وإلغاء القديم وإبداله بآخر جديد لفظاً وحكماً، فذلك يعني أنَّ فهم معنى `النسخ` بأنَّه الإزالة التامَّة للنّصِّ يتناقض مع تصوُّرهم لوظيفة النسخ؛ كما أنَّ الحكم على مدلول آية مَّا بأنّه منسأ لا بد له من دليل –كما قدَّمنا-، وإلا فإنّه سوف يؤدي إلى الإيهام، حيث لا يدري المكلَّف ما إذا كان مطالبا بإيقاع الفعل على الفور أو أنّه منسأ، ومنسأ إلى متى؟ أيكون منسأً إلى وقت حدّده الشارع، أو إلى وقت يحدّده المكلّف وكيف؟!(18). أقسام الناسخ والمنسوخ عند القائلين به لم يقتصر الاضطراب في هذه المسألة على المفهوم ذاته ولا على القضايا التي قال من قال بوقوع النسخ فيها أو نفيه عنها، بل تجاوز ذلك إلى تقسيماتهم للناسخ والمنسوخ، وإلى أنماط النسخ ذاته مما يدل على عمق الاضطراب فيها، وقد اختلفت تقسيمات علماء القرآن فيها عن تقسيمات الأصولييِّن، ولكن أشهر التقسيمات التي جرت عليها غالبيّة الفريقين التقسيم الثلاثيُّ، حيث قسموا المنسوخ إلى ثلاثة أقسام هي: منسوخ التلاوة دون الحكم، ومنسوخ الحكم دون التلاوة، ومنسوخ الحكم والتلاوة معاً. والزركشيّ كما ينتسب إلى علماء القرآن ينتسب إلى الأصولييَّن فقد كتب البرهان في علوم القرآن، كما كتب البحر المحيط في أصول الفقه، وقد تبنى في البرهان التقسيم الثلاثي، لكنَّه في البحر المحيط جعل الأقسام ستة مع إمكان إرجاع بعضها إلى بعض، لكن اختيار هذا التقسيم قد يكون أوضح، فقال الزركشيّ في البحر المحيط: `قسّمه أبو إسحاق المروزيّ والماورديّ وابن السمعانيّ وغيرهم إلى ستة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي رسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه، كنسخ آية الوصيَّة للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ العدّة حولاً بأربعة أشهر وعشر، فالمنسوخ ثابت التلاوة مرفوع الحكم، والناسخ ثابت التلاوة والحكم. الثاني: ما نسخ حكمه ورسمه، وثبت حكم الناسخ ورسمه، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، وصيام عاشوراء برمضان(19)!! الثالث: ما نسخ حكمه، وبقي رسمه، ورفع اسم الناسخ وبقي حكمه، كقوله تعالى: `فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً` (النساء:15) بقوله: `الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله`، وزاد في البرهان: فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول(20). الرابع: ما نسخ حكمه ورسمه، ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه، كالمروي عن عائشة رضي الله عنها `كان فيما أنزل عشر رضعات…`(21). الخامس: ما بقي رسمه وحكمه، ولا نعلم الذي نسخه كالمروي أنّه كان في القرآن `لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى أن يكون له ثان، ولا يملأ فاه ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب`،(22) وكخبر أصحاب بئر معونة(23)، قال الزركشيُّ: هكذا ذكر الماورديُّ هذا القسم في الحاوي، ومثّله بالحديث الأول، وفيه نظر كما قال السمعانيُّ، وقال: هذا ليس بنسخ حقيقة، ولا يدخل في حده، وعده غيره مما نسخ لفظه وبقي معناه، وعده ابن عبد البر في التمهيد مما نسخ خطه وحكمه، وحفظه ينسى مع رفع خطه من المصحف، وليس حفظه على وجه التلاوة، ولا يقطع بصحته عن الله، ولا يحكم به اليوم أحد، قال: ومنه قول من قال: إنَّ سورة الأحزاب كانت نحو سورة البقرة والأعراف. السادس: ناسخ صار منسوخاً، وليس بينهما لفظ متلو، كالتوارث بالحلف والنصرة نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة، ثم نسخ التوارث بالهجرة، ذكره الماورديُّ. قال ابن السمعانُّي: وهذا عندي يدخل في النسخ من وجه. ثم قال: وعندي أنَّ القسمين الأخيرين تكلُّف. وذكر أبو إسحاق في وجوه النسخ في القرآن شيئاً أُنسي، فرُفع بلا ناسخ يعرف، فلم يبق له رسم ولا حكم، مثل ما روي أنَّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة فرفعت(24). وقد نحى الإمام مكيُّ بن أبي طالب منحى خاصًّا في تقسيم النسخ، فقد أدار أقسامه مع معاني النسخ في لغة العرب، ثم بقي عليه قسم لم يندرج معه تحت أيّ معنى مما ذكره فأفرده، كما أنّه أورد معنى لغويّاً من معاني النسخ لم يستقم مع أيّ من أقسام النسخ محل التقسيم، وحاصل ما ذكره ستة أقسام أيضا. قال -يرحمه الله تعالى-: النسخ يأتي في كلام العرب على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون مأخوذاً من قول العرب: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، فهذا لم يتغيرَّ المنسوخ منه، وإنَّما صار له نظيراً مثله في لفظه ومعناه، وهما باقيان، وهذا المعنى ليس من النسخ الذي قصدنا إلى بيانه، إذ ليس في القرآن آية ناسخة لآية أخرى كلاهما بلفظ واحد، ومعنى واحد، وهما باقيتان، وهذا لا معنى لدخوله فيما قصدنا بيانه، وقد غلط في هذا جماعة، وجعلوا النسخ الذي وقع في القرآن مأخوذاً من هذا المعنى، وهو وهم، وقد انتحله النحاس. الثاني: أن يكون مأخوذاً من قول العرب: نسخت الشمس الظل: إذا أزالته وحلت محله، وهذا المعنى هو الذي عليه الجمهور في منسوخ القرآن وناسخه، وذلك على ضربين: الضرب الأول: أن يزول حكم الآية المنسوخة بحكم آية أخرى متلوَّة، أو بخبر متواتر، ويبقى لفظ المنسوخة متلواً، نحو قوله تعالى في الزواني: }فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ{ (النساء:15) وقوله }وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فآذُوهُمَا{ (النساء:16) فأمر فيها بالسجن والضرب، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، الذي تواتر به الخبر والعمل، المنسوخ لفظ تلاوته، وبالجلد مائة في البكرين المذكورين في سورة النور. الضرب الثاني: أن تزول تلاوة الآية المنسوخة مع زوال حكمها، وتحل الثانية محلها في الحكم والتلاوة، وهذا إنّما يؤخذ من طريق الأخبار الثابتة، وذلك نحو ما تواتر (!!) به النقل عن عائشة -رضى الله عنها- أنهَّا قالت: `كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات` قالت عائشة: فنسخهن خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- وهن مما يقرأ من القرآن`. ترى من الذي أزالها من القرآن إن كانت تتلى بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلَّم-؟! قال مكيُّ: فهذا على قول عائشة -رضي الله عنها- غريب في الناسخ والمنسوخ، فالناسخ غير متلوّ، والمنسوخ غير متلوّ، وحكم الناسخ قائم، ولهذا المعنى اختُلف في ذلك، وعلى هذين المعنيين أكثر الناسخ والمنسوخ في القرآن. الثالث: أن يكون النسخ مأخوذاً من قول العرب نسخت الريح الآثار، إذا أزالتها فلم يبق منها عوض، ولا حلت الريح محل الآثار، بل زالا جميعاً، وهذا النوع من النسخ إنما يؤخذ من جهة الأخبار، نحو ما رُوي أنَّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة طولاً، فنسخ الله منها ما شاء، فأزاله بغير عوض، وذهب حفظه من القلوب!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ودليل ذلك –كلّه- قوله عز وجل: `أو نُنْسها` أي نُنْسِكَها يا محمد، فأعلمه أنه ينسيه ما شاء من القرآن. وقد وهم من ذهب إلى ذلك، فالآية لبيان القدرة الإلهيَّة لا لبيان الوقوع، وهي مثل قوله تعالى: `وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً` (الإسراء:86) وهذا النوع أيضا جعلوه على ضربين: أحدهما: أن يزول اللفظ من الحفظ، ويزول الحكم(25). الثاني: أن تزول التلاوة، واللفظ، ويبقى الحكم والحفظ للفظ، ولا يتلى على أنّه قرآن ثابت، نحو آية الرجم التي تواتر الإخبار عنها أنَّها كانت مما يتلى، ثم نُسخت تلاوتها(26) وبقي حكمها معمولاً به، وبقي حفظها منقولاً لم تثبت تلاوته في القرآن وهي ليست بآية من القرآن المجيد، لكنّها مما جاء في التوراة، وهي ما تزال في بعض نسخ التوراة بلفظها واختلط الأمر على بعض الرواة الذين ظنوا أنَّ قوله: `كانت مما أنزل الله` أي في التوراة، وتوهم البعض فظنوا أنَّ المراد `مما أنزل الله` أي في القرآن وفي بعض الروايات `كانت فيما يتلى` وتوهم البعض أنَّ المراد `فيما يتلى من القرآن` وليس الأمر كذلك، بل المراد: `فيما يتلى من التوراة`. ولا أدري من أين جاء مكيّ بدعوى التواتر لما سمّى `بآية الرجم`؟! وفي تفسير الطبري روايات أوردها تعضّد هذا الذي ذكرنا وتؤكد أنَّها من نصوص التوراة(27). وبقي من أصناف المنسوخ صنف، وهو أن يزول حكم الآية بغير عوض متلوّ، ويبقى لفظها غير محكوم به، نحو ما فرض الله من شروط المهادنة التي كانت بين النبي -صلى الله عليه وآله وسلَّم- وبين قريش، والمذكورة في سورة الممتحنة، فنسخها زوال حكم المهادنة، لأنَّها إنّما كانت شروطاً معلَّقة بعهد، فلما زال العهد زال حكم الشروط، فهو زوال حكم بغير عوض، وبقي لفظ الشروط متلوًّا غير محكوم به(28). وهذا عجيب، لأنَّه لا يندرج تحت مفهوم النسخ ولا ينطوي حدّه عليه، فاعتباره من المنسوخ تعسُّف شديد. ثم عاد مكيٌّ بعد ذلك فعقد باباً لأقسام المنسوخ، والذي يهمنا في هذه القسمة السداسيَّة التي أدرج فيها أقسام المنسوخ. فقال: المنسوخ من القرآن ستة أقسام: الأول: ما رفع الله جل ذكره رسمه من كتابه بغير بدل منه، وبقي حفظه في الصدور، ومنع الإجماع على ما في المصحف من تلاوته على أنّه قرآن، وبقي حكمه مجمعاً عليه، نحو `آية الرجم`!! الثاني: ما رفع الله حكمه من الآي بحكم آية أخرى، وكلاهما ثابت في المصحف المجمع عليه متلوٌّ، وهذا هو الأكثر في المنسوخ، وتمثيله في آية الزواني المنسوخة بالجلد المجمع عليه في سورة النور!!. الثالث: ما فُرض العمل به لعلَّة، ثم زال العمل به لزوال تلك العلة، وبقي متلوا ثابتاً في المصحف، نحو قوله تعالى: }وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إلى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ{ (الممتحنة: 11) أمروا بذلك كلّه، وفُرض عليهم لسبب المهادنة التي كانت بين النبي -صلى الله عليه وآله وسلَّم- وبين قريش. الرابع: ما رفع الله رسمه وحكمه، وزال حفظه من القلوب، وهذا النوع إنما يؤخذ من أخبار الآحاد، قلت: كيف يؤخذ بأخبار الآحاد في الحكم على القرآن المتحدى به المعجز القطعيّ؟! وذلك نحو ما روي عن زر(29) أنه قال: قال لي أبيٌّ: يا زِرُّ كانت سورة الأحزاب لتعدل سورة البقرة، ومنه ما روي عن أبي موسى أنه قال: نزلت سورة براءة، ثم رفعت؟!! الخامس: ما رفع الله جل ذكره رسمه من كتابه فلا يتلى، وأزال حكمه، ولم يرفع حفظه من القلوب، ومنع الإجماع من تلاوته على أنّه قرآن، وهذا أيضا إنما يؤخذ من طريق الأخبار، نحو حديث عائشة رضي الله عنها في العشر الرضعات والخمس. السادس: ما حصل من مفهوم الخطاب، فنسخ بقرآن متلو، وبقي مفهوم ذلك منه متلوا، نحو قوله تعالى: }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَواةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى{ (النساء: 43) فُهم من هذا الخطاب أنَّ السكر في غير قرب الصلاة جائز، فيكون فيه نسخان: نسخ حكم ظاهر متلوّ، ونسخ حكم ما فُهم من متلوه. وهناك تقسيم الإمام الرازي في المحصول وهو تقسيم ثلاثيّ جمع فيه الأقسام الستة، وجعلها مدرجة فيه(30). آثار هذه التقسيمات.. والأفكار التي أملتها تفرز هذه التقسيمات والأمثلة التي مُثل بها عددًا من المشكلات: المشكلة الأولى: قضية `نسخ القرآن المجيد بالسنّة`، والجدال الذي قاده الإمام الشافعيّ حول هذا الموضوع، والذي تبدو فيه الإشكاليّة بحجمها الطبيعيّ بينه -يرحمه الله- وبين معاصريه والذين جاءوا من بعده، وخلاصتها: ما أورده الإمام في الرسالة (الفقرات 108-113)؛ حيث قال: `وهكذا سنَّة رسول الله: لا ينسخها إلا سنَّة لرسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه غير ما سنَّ رسول الله لسنَّ فيما أحدث الله إليه، حتى يبيِّن للناس أنَّ له سنَّة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. وهذا مذكور في سنته -صلى الله عليه وآله وسلَّم-، ثم قال: فإن قال قائل: أيحتمل أن تكون له سنَّة مأثورة قد نُسخت، ولا تؤثر السنَّة التي نسختها؟ وأجاب عن هذا السؤال بقوله: فلا يحتمل هذا، وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه، ويترك ما لزم فرضه؟ ولو جاز هذا خرجت عامة السنن من أيدي الناس؛ بأن يقولوا: لعلها منسوخة، ثم قال بعد ذلك: فإن قال قائل: هل تُنسخ السنَّة بالقرآن؟ قيل: لو نُسخت السنَّة بالقرآن كانت للنبي فيه سنَّة تبين أنَّ سنته الأولى منسوخة بسنته الأخرى، حتى تقوم الحجة على الناس بأنَّ الشيء ينسخ بمثله. ثم قال رضي الله تعالى عنه: `ولو جاز أن يقال: قد سن رسول الله، ثم نسخ سنّته بالقرآن، ولا يؤثر عن رسول الله السنَّة الناسخة، جاز أن يقال فيما حرم رسول الله من البيوع كلها قد يحتمل أن يكون حرمها قبل أن ينزل عليه }وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا{ (البقرة: 275)، وفيمن رجم من الزناة: قد يحتمل أن يكون الرجم منسوخا؛ لقول الله تعالى: }الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ{ (سورة النور: 2)(31). ومما نقلناه من كلام الإمام الشافعي يتبين لنا ما يلي: 1. أنَّ الإمام قرر بوضوح `أنَّ الشيء لا ينسخ إلا بمثله`، فلا ينسخ القرآن إلا قرآن، وبذلك تسقط جميع الدعاوى التي بنيت على أحاديث ادعى من ادعى أنَّها ناسخة لآيات قرآنيَّة، ولا ينسخ السنَّة إلا سنَّة مثلها، وذلك يسقط سائر الدعاوى التي ورد فيها ما يشير إلى أنَّ آية قرآنيَّة قد نسخت سنَّة من السنن. 2. أنَّ الإمام - فيما قاله- لم يكن يتحدث عن الناسخ والمنسوخ -من حيث الواقع، ونفس الأمر- وإنما كان حديثه عن الحكم بالنسخ. 3. لم يكن كلام الإمام عن جواز نسخ السنَّة بالقرآن أو العكس، حديثا عن الجواز أو عدمه من حيث العقل أو السمع، فإنَّ حديثه لا يمكن حمله إلا على أنّه بيان لكيفيَّة الحكم بالنسخ. وعلى هذا فيمكن القول بأنَّ معظم الذين تحدثوا عن رأي الإمام في هذه المسألة، تحدثوا عنه وفي أذهانهم أقوال العلماء الآخرين ونزاعاتهم في المسألة، ولذلك فهموا من قول الإمام أنه قول مقابل للأقوال المنقولة عن الأئمة الآخرين فاستهجنوه، مع أنَّنا نرى أنَّ قوله إنَّما هو في أمر آخر، غير أمر `الجواز والامتناع والوقوع` التي عليها مدار أقوال الآخرين، وإنمَّا هو في حكم المجتهد على النّص بالنسخ: متى يحكم به؟ وكيف؟. فالإمام لا يرى للمجتهد الحق بأن يحكم بأنَّ هذه السنَّة منسوخة بالقرآن ولا العكس، وإنَّما يحكم بنسخ السنَّة إذا وجد سنَّة مماثلة تصلح ناسخة لها، وآنذاك تكون الآية مقوية للحكم بنسخ تلك السنة. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن؛ فإنَّ المجتهد لا يحق له أن يحكم بأنَّ الآية منسوخة إلا إذا وجد آية تصلح أن تكون ناسخة لها، وتكون السنَّة الواردة في الموضوع مبيِّنة لكون الآية الناسخة ناسخة، والمنسوخة منسوخة، والإمام حين قرَّر ذلك كان يهدف إلى حماية أحكام كتاب الله وسنَّة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- من أي تغيير أو تعطيل من قبل من تحدثه نفسه بذلك تحت ستار النسخ. وقد ذكر الماوردي في أدب القاضي (1/348) ثلاثة أوجه تصلح لإيضاح قول الإمام رضي الله عنه وهي: 1. أنه لا توجد سنَّة إلا ولها في كتاب الله تعالى أصل كانت السنَّة فيه بيانا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها كان نسخا لما في الكتاب من أصلها، فصار ذلك نسخ الكتاب بالكتاب. قلت: وهذا لا نجد ما يدل على أنَّه مراد للإمام. 2. أنَّ الله تعالى يوحي إلى رسوله بما يخفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنَّه الرسول - صلى الله عليه وآله وسلَّم- أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيدا لنسخ رسوله، فصار ذلك نسخ السنَّة بالسنَّة. قلت: الكتاب تبيان لكل شيء، والسنَّة بيان قوليٌّ وعمليٌّ وتطبيقيٌّ للقرآن وليست معارضًا له، ولا بديلاً عنه، بل يستحيل أن تعارضه؛ كيف ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- مأمور باتّباع الكتاب؟!. 3. أنَّ نسخ السنَّة بالكتاب يكون أمرا من الله تعالى لرسوله بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر به، والرسول هو الناسخ له، فصار ذلك نسخ السنَّة بالكتاب والسنَّة. قلت: ومن أعلم المارودي بذلك وما دليله عليه؟! ولقد اقترب ابن السبكي كثيرا إلى فهم مراد الإمام -رضي الله تعالى عنه- حيث قال في جمع الجوامع(32): `وحيث وقع (نسخ القرآن) بالسنَّة فمعها قرآن (عاضد لها يبيِّن توافق الكتاب بالسنة) أو (نسخ السنة) بالقرآن فمعه سنَّة عاضدة (له) تبين توافق الكتاب والسنة. وما بين الأقواس للشارح الجلال، وراجع قول الجلال أيضا ص (80) منه. ومما يعضد نحو قول ابن السبكي ما قاله الإمام الشافعي بعد الكلام عن صلاة الخوف، حيث قال: `وفي هذا دلالة على ما وصفت به قبل هذا، في هذا الكتاب (يعني الرسالة): من أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- إذا سن سنة، فأحدث الله إليه في تلك السنَّة نسخها أو مخرجا إلى سعة منها سن رسول الله سنَّة تقوم الحجّة على الناس بها، حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها`. فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها كما أنزل الله وسن رسوله في وقتها، ونسخ رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم بسنته، صلاها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- في وقتها، كما وصفت(33). ومع ما في مذهب الإمام الشافعي من وجاهة؛ حيث حاول أن يحمي الكتاب والسنَّة معا من شبهة التعارض والتناقض بينهما، كما حاول أن يضع معالم الاتصال والانفصال بين الكتاب والسنَّة، لكي لا تنمحي الفواصل بينهما، بيد أنَّ العلماء عارضوا ما ذهب إليه معارضة شديدة. قال ابن السبكي(34): وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك منه –رضى الله عنه– حتى قال الكيا الهراسي: `هفوات الكبار على أقدارهم ومن عد خطؤه عظم قدره`. وكان القاضي عبد الجبار بن أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضوع قال: `هذا رجل كبير، لكنّ الحق أكبر منه`، قال: والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره -كيف وهو الذي مهد هذا الفن ورتَّبه، وأول من أخرجه- قالوا: لا بد أن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل، فتعمقوا في محامل ذكروها، وأورد الكيا الهراسي بعضها. ثم قال: واعلم أنَّهم صعبوا أمرا سهلاً، وبالغوا في غير عظيم، وهذا إن صح عن الشافعي فهو غير منكر، وإن جبن جماعة من الأصحاب عن نصرة هذا المذهب فذلك لا يوجب ضعفه، ولقد صنف شيخ الدنيا أبو الطيب سهل بن أبي سهل الصعلوكي كتابا في نصرة هذا القول، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفراييني، وتلميذه أبو منصور البغدادي، وهما من أئمة الأصول والفقه، وكانا من الناصرين لهذا الرأي. ولو قدر لما ذهب إليه الإمام الشافعي أن ينتشر ويقبل لربما خفف كثيرا من الآثار الجانبيّة لهذه الإشكاليّة الخطيرة `إشكاليّة النسخ`. أما نحن فإننا نستطيع أن نرى بوضوح أنَّ الإمام الشافعي -وهو إمام جليل القدر من أئمة أهل السنَّة- أراد نفي النسخ عن القرآن جملة وتفصيلا، وأنَّ كل ما ادعي نسخه إنما هو آيات قابلة للفهم والتفسير لا تناقض بينها ولا تعارض ولا تعادل ولا اختلاف؛ فالقرآن المجيد قد عصمه منزِّله -تبارك وتعالى- وحفظه من كل تلك الأمور. وأراد -رحمه الله- أن يؤكد للمجتهدين حرمة الحكم بنسخ آية بآية من آيات الكتاب الكريم إلا إذا جاءت آية مثلها تنص على أنها إنَّما نزلت لتنسخ الآية الأخرى وهذا ما لا وجود له في القرآن على الإطلاق. وأما مذهبه -رضي الله عنه- في أنه لا تنسخ السنَّة بالقرآن، واشتراطه أن يأتي حديث ناسخ، فيه ما ينص على أنه جاء ناسخا لسنَّة أو لحديث جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- قبله، فإنَّه أراد أن يقضي على ذلك التساهل والإسراف في دعاوى النسخ، ويحصره في نحو قوله -صلى الله عليه وآله وسلَّم-: `كنت قد نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا`(35)، والحديثان -حديث النهي وحديث الإذن- أصلهما في كتاب الله ظاهر في آيات الأمر بالنظر والتفكر في مصائر الهالكين، وما جاء في قوله تعالى: } أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ{ (التكاثر: 1-2) ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- نهى عن زيارة القبور والناس حديثو عهد بالإسلام، وحديثو عهد بالكفر والجاهليَّة، فمن المناسب أن يقطع كل ما يمكن أن يذكرهم بالجاهلية، ويمهد السبيل أمامهم للعودة إلى ما فيها، ومن ذلك تعظيم القبور، وتعظيم الأموات، وعبادة الأصنام التي ترمز إلى صلحاء قد ماتوا، فحين يأذن بذلك وينسبه إلى العبرة والدرس الذي ينبغي الحرص على استفادته من الزيارة ألا وهو تذكُّر الآخرة، بعد أن خالط الإيمان بشاشة القلوب، واستقر التوحيد في الضمائر، ولم يعد لديه -صلى الله عليه وآله وسلَّم- أي خوف على عقائد الأمة من زيارة القبور التي من شأنها أن تقلِّل من نزعة التكاثر، وحبّ الدنيا والانشغال به عن الله تعالى وعن الدار الآخرة أذن بذلك، وبين هذه المعاني وبين النسخ الذي أسرفوا في فهمه فوارق كبيرة، ومع ذلك فإنَّ الإمام الشافعي اعتبر حصر النسخ في السنَّة في نحو ذلك أقل خطرا وضررا من ذلك التعميم الذي ذهب إليه جماهيرهم. ولذلك فإننا نرى أنَّ نظر الشافعي في هذا الأمر دقيق، وأنه لو قدر لعلماء الأمة أن يفهموه ويتبنَّوه وينشروه لما واجهنا اليوم هذه الإشكاليّة بهذا الحجم، رحمه الله رحمة واسعة. أما المشكلة الثانية: فتبدو في ذلك الاستسلام التام لسلطة المرويّ والمأثور والموروث، والتساهل اللافت للنظر في تمحيصه ونقده، وخاصة أنَّ هذه المرويَّات تتعلق بكتاب الله المعجز المطلق الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يناله الاختلاف، وهو معصوم محفوظ، معجز، فكان عليهم أن يحتاطو

المزيد

النسخ….ليس تحريفا للقرآن(2)

أكتوبر 13th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

 ا.د.طه جابر العلواني

ومع ذلك أيَّد الله -تبارك وتعالى- بكل ما أيَّد عباده المؤمنين به. 5. قوله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ (المجادلة: 12-13). ذهب جمهرة العلماء إلى أن الآية الأولى منسوخة، واختلفوا في ناسخها، فروى الطبري وابن عباس أنها نسخت بالزكاة، وروى عن عكرمة والحسن البصري أنها نسخت بالآية التالية لها، كما أنهم اختلفوا في وقت النسخ، فقال أبو حيان: إن هذا الحكم نسخ قبل العمل به، وقال قتادة: عمل به ساعة من نهار، وقال مقاتل: عمل به عشرة أيام، فانظر الطبري ( 28 /15)، وأبو حيان في البحر (8/237). وأما الإمام الرازي فقد علل الأمر بتقديم الصدقة بأن الحاجة كانت ماسة إلى تمييز المنافقين عن المؤمنين، فإن المنافقين لا يتوقع منهم أن يقدموا صدقة ليناجوا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، وعللها آخرون بأن الله -سبحانه وتعالى- رأفة بنبيه الذي أكثر الناس عليه، وكان كل منهم يحرص على مناجاته أنزل هذا الأمر نوعا من التقييد لذلك، ولهم في ذلك أقوال كثيرة وتعليلات مختلفة، ومنها أن الصدقة التي أمر بها أمر بها على سبيل الاختيار والندب، وأنها غير محددة المقدار ولا النوع، ويمكن أن تكون ذكرا –أي أمرًا معنويا- ويمكن أن تكون أمرا ماديا، وأن الذي أثار شبهة النسخ في هذه الآية هو تصور أن الله -تبارك وتعالى- أراد أن يؤدِّب الناس ليعاملوا رسوله الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تعامل الشعوب من حول الجزيرة ملوكها وأباطرتها ليدركوا هيبتهم وعظمتهم، وعدم سهولة الوصول إليهم، وهذا أمر لا يمكن أن يكون مقصودا للشارع الحكيم الذي ميَّز بين رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبين أولئك الملوك والحكام، ولكن لا يبعد -بالرغم من ذلك- أن يقيس الناس النبي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على من حولهم من عظماء، ألم يقل مشركو مكة } لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ{ ( الزخرف: 31) فكأنه قيل: إنَّ هذا النبي الكريم أعظم من كل أولئك الذين يشيرون إليهم، وفي تقديم الصدقة قبل مناجاته - صلى الله عليه وآله وسلم- إعداد وتربية للجماعة المؤمنة على أفضل أنواع السلوك معه بأن لا ينادوه من وراء الحجرات، وأن يلتزموا أرقى أنواع السلوك في تعاملهم معه، فإنه حتى لو قدموا بين يدي نجواهم صدقات فليس ذلك بكثير عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- خاصة وأن فوائد ذلك إنما تعود عليهم أولا وآخرا، ففقراؤهم هم المستفيدون بتلك الصدقة، وقوله تعالى } فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ{ ليست بناسخة لما سبقها، بل هي محكمة إحكامها، ومتممة لمعانيها، فإن كثيرا من الناس قد أشفقوا على أن ذلك قد يحرمهم من مناجاة نبيهم الذي هو أحب إليهم من نفوسهم لقلة ذات اليد(52) وقد يستأثر بملاقاته ومناجاته الأغنياء، ولذا قال تعالى }أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ {ثم أردفها بقوله -جل شأنه- (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) فكأنَّه أراد أن يقول إذا كانت الصدقة فيها نوع من الإثبات والدليل على حبكم للرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- واحترامكم له، فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله تطهركم وتزكيكم وتجعلكم مؤهلين لمناجاته -عليه الصلاة والسلام- فإنها نوع من اتباعه -صلى الله عليه وآله وسلم- التي تدل على محبتهم المشار إليها في قوله تعالى: } قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ{ (آل عمران: 31) – ففيها معنى عميق كالمعنى المشار إليه في فهم القرآن الكريم كما قال -جل شأنه-: }لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ{ (الواقعة: 79) فالاستفادة بمناجاته -صلى الله عليه وآله وسلم- لا تحصل إلا لقوم تزكوا وتطهروا وتهيئوا لملاقاة المتلقي الأول لكتاب الله -جل شأنه- ففي الآيتين معا تهيئة نفسية على أعلى مستوى لأولئك الذين يريدون مناجاة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ويتأثرون بصحبته ويستفيدون بها، وإذا كانت الصدقة الماديّة قد تكون وسيلة لتمييز المنافق الذي أحضرت نفسه الشح، والذي لا يرى أهمية لمناجاته لرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو غير مؤمن به فإن المؤمنين لا يأتون إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا بقلب سليم تطهره مختلف أنواع وسائل التزكية والتطهير، فلا ناسخ ولا منسوخ بين الآيتين، وجنس ذلك مراعى في الآداب التي علَّم الله المؤمنين عليها، والآداب التي أمرنا بالتحلي بها عند مقاربة القرآن أو مقاربة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، لكن العقل الفقهي يحرص على الدوام أن يترجم كل شيء إلى حلال وحرام، وأمر ونهي، وناسخ ومنسوخ، وعمليات بناء الأمم وتربيتها لا تتوقف على التقنين الفقهي وحده. وإذا صحت الآثار التي نقلها بعض المفسرين بأن هذا الأمر قد أريد به تمييز

المزيد


النسخ ….ليس تحريفا للقرآن(4)

أكتوبر 13th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

أ.د.طه جابر العلواني

هوامش ([1]) هذه المقولة شاعت وانتشرت في `جيل الفقه`وبها احتج القائلون `بحجيَّة القياس` ثم استرسلوا في الاحتجاج بها في الأدلة المختلف فيهل – كلها – وبذلك صيَّروا `القرآن المطلق` نسبيَّاً و`الوقائع النسبية الحادثة` مطلقا!! ([2]) قد ناقشنا مذهب الشاطبي هذا في الحلقة الخاصة `بالوحدة البنائية` وهي الحلقة التي نشرت ثالثة في هذه السلسلة فلا نعود إليه وراجعه هناك ففيه الكثير من الفوائد. أما قضية مخاطبة من لم يكن مولودا في عصر الرسالة بالقرآن الكريم وبخطاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فهي المسألة التي عرفت عند الأصوليين بمسألة `تكليف المعدوم` ولهم في ذلك جدل طويل لا ضرورة له لولا سيطرة بعض الأفكار الكلاميَّة مثل قضية الحسن والقبح، ووجوب الأصلح، وعدم جواز تكليف من هو غير مؤهَّل للتكليف، والخلط بين تعلّق الخطاب بما يتناوله العموم، ومن يتناوله، وبما لا يتناوله العموم ومن لا يتناوله، وخلط البعض - كذلك – بين التعلّق التنّجيزي الذي يراد به إنجاز الفعل أو القيام به ساعة الخطاب به، وبين ضرورة القيام به عند توافر شروطه، واستيفاء المكلَّف به لشروط الإنجاز، وقد أخذ الله –تبارك وتعالى- العهد من البشر وهم في `عالم الذر` بقوله تعالى ` وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أو تَقُولُواْ إنمَآ أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ `( الأعراف: 172 – 173 ) وهو خطاب منه – سبحانه وتعالى – للبشر وهم في حالة لا يمكن أن يتعلّق بها الخطاب تعلّقا تنجيّزيا يقتضي القيام بالفعل حين الخطاب، ولكنه يصدق عليه أنَّه خطاب مستوف لكل أركان الخطاب لمخاطَب مؤهّل للفهم والإدراك ليذكَّر به عندما يصبح قادرا على إنجاز ما فهمه، بحيث يتعلق الخطاب - آنذاك - بفعل المخاطب تعلّقا `تنجيّزيا`، بعد أن تعلق به تعلُّقًا صلوحيّاً. كما أنَّ نصوص الكتاب والسنَّة متضافرة على عموم هذه الرسالة وشمولها `وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً` (سبأ: 28) `قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا` ( الأعراف: 158 ) `إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ` (الأنعام: 90 ) والعالمون شاملة لمن كانوا في عهد الرسالة ووقت تلقي الخطاب وللذين يأتون من بعدهم ويندرجون تحت هذا المفهوم إلى يوم الدين، وقد كان في مقدور العلماء الذين أنفقوا كثيرا من الوقت والجهد في مناقشة هذا الأمر أنَّ لا يأسروا أنفسهم في المسائل التي جرهم إليها الجدل الكلاميِّ مثل مسألة الحسن والقبح، ومفاهيم الشيء، والمعدوم، وتحديد مقولات الوجود وما إلى ذلك بالطرق التي فعلوها ليوفروا على أنفسهم وعلى الأمة ذلك الجدل العقيم ويمكنك مراجعة المسألة بتفاصيلها وبتعليقنا عليها بهامش المحصول( 2/55 ) وما بعدها فستجد تلخيصا وافيا ودقيقا، ومناقشة مستفيضة كتبناها لهذه المسألة. فاحرص على الاطلاع عليها هناك. ([3]) قام بهذا الإحصاء الدكتور حاتم الضامن في مقدمته لتحقيق كتاب ناسخ القرآن لابن البارزي. ([4] ) الإتقان، ( 2/30). ([5]) كتاب حجة الله البالغة( 1/259). [6]) ) مناهل العرفان، (2/152-162). [7]) ) مناهل العرفان، (2/152-162). [8]) ) وما زال ليومنا هذا أكثر كتب النسخ المتداولة، وقارن ما قاله ابن الجوزي في حق ابن سلامة نفسه في مقدمة كتابه في حق المفسرين، حيث قال (ص8)` لما رأيت المفسرين قد تهالكوا هذا العلم، ولم يأتوا منه وجه الحفظ، وخلطوا بعضه ببعض ألفت هذا الكتاب..` أنَّ مثل هذه العبارات تدل على مدى عمق المشكلة، كما تدل العبارات المتبادلة بينهم على أنَّهم مع إحساسهم بالمشكلة لم يستطيعوا بما قدموه مجاوزتها أو الوصول إلى القول الفصل فيها لأسباب لا تخفي على المطلع على تراثنا في هذه الجوانب. [9]) ) نواسخ القرآن لابن الجوزي، ص (74-76) و(123). [10]) ) نواسخ القرآن، ص ( 123). [11]) ) الإتقان (2/22). ([12])راجع البرهان للزركشي 2/40-41. (([13]وهذا غير مقبول بحال فإنَّ النسخ لا يمكن أن يقع -عند القائلين به- خارج عصر الرسالة فلا تصح دعاوى ناسخ ومنسوخ بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- حسب مذهب القائلين بالنسخ، كافّة فمن الذي يزيل صفة المنسوخ عنه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام؟!! فكيف يقال هذا؟ ومن الذي يملك هذه الصلاحيَّة؟؟ [14]) ) الإنساء هو التأجيل، والتأجيل في الأحكام الشرعيَّة يتوقف على دليل يقوم على ذلك، وإلا فإنَّه يكون تحكمّا في النّص بلا دليل، كما أنَّ القول بالإنساء ليس فيما نحن فيه، بل ذلك خروج عن موضع النزاع ودخول في موضوع آخر ليس هذا موضع بحثه، كما أنَّ من لم يسلم النسخ لن يستطيع قبول مبدأ الإنساء، لأنَّه لا دليل عليه من ناحية، ومن ناحية أخرى يجعل النّص تابعا للواقع في حين أنَّ قطع القرآن عن أسباب النزول في العرضتين الأخيرتين واتخاذه صفة الإطلاق يجعل المطلوب من المخاطبين صياغة أسئلة الواقع على أنَّها أسئلة نرفعها إلى القرآن ليجيب القرآن عنها بدون أن يتحكم المجتهدون في الآيات، بل يتحكمون في صياغة وقائعهم وأسئلتهم والقرآن يجيب عنها. [15]) ) صحيح مسلم كتاب الإيمان، بَاب بيان أنَّ الإسلام بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا وإنه يَأْرِزُ بين الْمَسْجِدَيْنِ (1/130) رقم 14. [16]) ) صحيح ابن حبان ذكر إعطاء الله -جل وعلا- العامل بطاعة الله ورسوله في آخر الزمان أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ( 2/108 رقم 385). [17]) ) الزركشي في البرهان (2/42-43). [18]) ) هذا ولإمام الحرمين في البرهان فرضيَّة افترضها وناقشها، وقد تلقي ضوءًا على ما نحن فيه، وستناولها في آخر هذه الدراسة إن شاء الله، فراجعها في البرهان (2/880 وما بعدها). [19]) ) أخرج البخاري بسنده من طريق عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت (كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قبل أن يُفْرَضَ رَمَضَان وكان يَوْمًا تُسْتَرُ فيه الْكَعْبَةُ فلما فَرَضَ الله رَمَضَان قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - من شَاءَ أن يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أن يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ). صحيح البخاري كتاب التفسير، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (جَعَلَ الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ) (2/578 رقم 1515) ولكي يقال: إن استقبال بيت المقدس منسوخ لا بد من وجود الدليل القوليّّ الدال على وجوب استقباله، ليعلم أنّه قد نسخ بالدليل الأمر بالتوجة إلى الكعبة، وإلا فسيكون من قبيل نسخ الفعل النبوي بالقرآن، وذلك ما لم يقرّه الإمام الشافعي وآخرون. [20] )) البرهان، (2/35)، وام يذكر شيئًا عن الشروط أو الضوابط التي تجعلنا قادرين على الحكم بأنَّ الأمّة قد تلقته بالقبول!!. [21])) أخرج مسلم بسنده عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ أنها قالت (كان فِيمَا أُنْزِلَ من القرآن عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ من القرآن) صحيح مسلم كِتَاب الرِّضَاعِ بَاب التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ ( 2/1075 رقم 1452). قال النووي: ومعناه أنَّ النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا حتى أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنَّ هذا لا يتلى. شرح النووي على صحيح مسلم (10/29) قلت: وهل `العشر` مما يتلى؟! [22]) ) أخرج البخاري بسنده من طريق عَطَاء قال سمعت ابن عَبَّاسٍ يقول سمعت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلَّم – يقول: (لو أنَّ لابن آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا، لَأَحَبَّ أن له إليه مثله، ولا يَمْلَأُ عَيْنَ بن آدَمَ إلا التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله على من تَابَ) قال ابن عَبَّاسٍ: فلا أَدْرِي من القرآن هو أَمْ لَا؟ قال: وَسَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ يقول ذلك على الْمِنْبَرِ. صحيح البخاري، كتاب الرقاق، بَاب ما يُتَّقَى من فِتْنَةِ الْمَالِ( 5/2364 رقم 6073). [23]) ) أخرج البخاري بسنده عن أَنَسِ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال دَعَا رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- على الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ غَدَاةً على رِعْلٍ وَذَكْوَان وَعُصَيةَ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال إنسٌ: أُنْزِلَ في الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قرآن قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أن قد لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عنه) كتاب التفسير بَاب فَضْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى }ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ الله من فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لم يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ من اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ { (3/1036 رقم 2659). [24]) ) البحر المحيط،( 5/252-258). لست أدري كيف سوَّغ هؤلاء العلماء لأنفسهم تناقل هذه الروايات التافهة التي انفرد بها راو عرف بالأوهام، لا ثقة فيما يرويه للنيل من مسلَّمة عقديّة لا يجوز الشك فيها، فمجرد الشك بأنَّ الله – تبارك وتعالى – لم يحفظ كتابه الذي أعلن أنه هو الذي يتولى حفظه وجمعه وقرآنه، وإقراءه لنبيه، وهذه الرّوايات الساقطة التافهة الغثيثة تصادم ذلك - كله - بل تنفيه تماما، وإذا كان الشغف بالرّوايات من بعض الناس لأية أسباب قد حمل هؤلاء على ترديد ورواية تلك الروايات الساقطة فلم رددها هؤلاء العلماء ومنحوها الحياة وجعلوها تتنزل من جيل إلى جيل، وهل هذه الروايات ومن روا

المزيد


النسخ…..ليس تحريفا للقرآن(5)

أكتوبر 13th, 2006 كتبها العنقاء نشر في , دين اسلامي

أ.د.طه جابر العلواني

([65]) أخرج مسلم بسنده عن أبي الْأَسْوَدِ قال: بَعَثَ أبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إلى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عليه ثلاثمائة رَجُلٍ قد قرؤوا القرآن فقال (أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فأتلوه ولا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كما قَسَتْ قُلُوبُ من كان قَبْلَكُمْ، وَإنا كنا نَقْرَأُ سُورَةً كنا نُشَبِّهُهَا في الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غير أَنِّي قد حَفِظْتُ منها لو كان لابن آدَمَ وَادِيَان من مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا ولا يَمْلَأُ جَوْفَ بن آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كنا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غير أَنِّي حَفِظْتُ منها ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لَا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً في أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عنها يوم الْقِيَامَةِ) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، بَاب لو أنَّ لابن آدَمَ وَادِيَيْنِ لَابْتَغَى ثَالِثًا (2/726 رقم 1050) فأبو موسى هنا شهد على نفسه بالنسيان وقسوة القلب، وكان يحاول أن يقدم لقراء البصرة نصيحة بضرورة تعاهد ما يحفظون من القرآن وعدم إهماله فينسون كما نسي هو وغيره، أفيكون ما بقي في ذاكرته مضافا إليه مزيدا عليه لا يلتقي مع بلاغة القرآن في شيئ حجة على كتاب الله المعجز؟!! قلت: ولعله يقصد بالسورة الأولى سورة آل عمران لأنَّ هناك رواية أخرى رواها عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (5/132 رقم 21241 ) قال: حدثني عُبَيْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ القواريري ثنا مسلم بن قُتَيْبَةَ ثنا شُعْبَةُ عن عَاصِمِ بن بَهْدَلَةَ عن زِرٍّ عن أبي بن كَعْبٍ قال: قال لي رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - (إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أمرني أن أَقْرَأَ عَلَيْكَ قال فَقَرَأَ عَلَىَّ لم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مَطْهَّرَةً فيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وما تَفَرُّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الا من بَعْدِ ما جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلاَ الْيَهُودِيَّةِ وَلاَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلْ خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ - قال شُعْبَةُ: ثُمَّ قَرَأَ آيَاتٍ بَعْدَهَا - ثُمَّ قَرَأَ لو أنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ من مَالٍ لَسَأَلَ وَادِياً ثَالِثاً وَلاَ يَمْلأ ُجَوْفَ بن آدَمَ الا التُّرَابُ قال ثُمَّ خَتَمَهَا بِمَا بَقِىَ منها) قلت: إنَّ أبا موسى أراد أن يؤكد على قراء البصرة ضرورة تعاهد حفظهم للقرآن الكريم وعدم الغفلة عن المراجعة الدائمة لما يحفظون، ويشير من خلال خبرته وتجربته إلى أنه قد نسى سورا كان يحفظها لعدم مداومته على تعاهد = حفظه ومراجعته المستمرة، فكانت النتيجة أنه نسي ما كان يحفظ وبقيت معاني أو رءوس موضوعات فقط في ذهنه، فأراد أن يحذرهم جميعا من الوقوع في مثل ما وقع فيه، ويبدو أنَّ بعضهم قد فاته فهم ما قال ووهم بأنه كان يتحدث عن سور قد رفعت من القرآن، وهو لم يكن يريد ذلك، بل كان يريد أن يقول بأنَّ هذه انمحت من ذاكرته وذهنه وحفظه هو فلم يعد يتذكر منها إلا بعض رءوس الموضوعات الأساسيّة التي علقت بذاكرته وردت فيها، ورءوس الموضوعات التي أشار إليها هي من موضوعات سورة آل عمران التي قد تكون هي السورة التي كان قد نسيها أبو موسى لعدم تعاهده لحفظها، وحملها الرواة الغفلة على ما كان مستقرا في أذهانهم من أن هناك سورا في القرآن أنزلت ثم محيت من أذهانهم ورفعت من مصاحفهم، وليس الأمر كذلك، إذ أنَّ في هذا تأكيدا من أولئك الغفلة على أنَّ القرآن منقوص، وأنَّ ما بأيدي الناس هو ليس كل ما قد أوحي، وهذا كفر صحيح إذا قاله الإنسان بوعي وبقصد، لقوله تعالى ` إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِن

المزيد