كعادته.. تألق ‘هيكل’.. وصال وجال في المحيط الآخذ في الانحسار فوق رقعة عالمنا العربي.. نكأ جروحا دامية.. وتوقف عند محطات ساخنة.. وكشف الغطاء عن بعض ما أراد إعلانه للملأ.. فيما اكتفي في أحيان اخري بالوقوف عند عناوين ما يحدث.. وبدايات السطور.. كما فعل حين تحدث عن ثلاثة اجهزة مخابرات عربية شاركت في اغتيال القائد العسكري اللبناني لقوات حزب الله ‘عماد مغنية’.. مكتفيا بهذا القدر.. تاركا للراغبين في المعرفة ان يضربوا اخماسا في اسداس حول هوية تلك الاجهزة.
ران صمت عميق علي الحضور.. وأنصت الجميع باهتمام.. وأبدي غالبية الحضور رغبة في الحوار والاشتباك والوقوف عند محطات مهمة أثارها ‘الاستاذ’ ودار من حولها.. واقترب من مكامنها.. وعرج علي دروبها.. وتوقف عند نتوءاتها.. غير أن ‘الاستاذ’ اختار عند التاسعة والنصف من مساء الثلاثاء الماضي الوقوف ليعلن الاكتفاء بهذا القدر من حوار امتد لاكثر من ساعتين بلا توقف .. مبلغا الموجودين بالقاعة المطلة علي نهر النيل.. الذي كانت الاضواء تتلألأ فوق مياهه لتعكس رؤيتها داخل القاعة.. إن برنامجه مكدس عن آخره حتي قبل يوم الجمعة.. حيث يغادر لأكثر من ستة اسابيع إلي أوروبا ومن ثم الولايات المتحدة ليتابع بعين الصحفي والمراقب انتخابات الرئاسة الامريكية القادمة.
بين الصحافة.. والسياسة.. وأزمات المنطقة.. طاف ‘الاستاذ’ بالحضور.. وألقي علي مسامع الجميع.. تحذيرات.. تحملها نبوءات.. تذهب إلي حد التحذير من ‘اندلس’ قادمة لا محالة.. راسما في الآن ذاته صورا قاتمة لمآسينا المتداعية.. إن في فلسطين التي آمل أن تمر عشر سنوات قادمة وقد تبقي ولو بعضا من أرضها التاريخية .. أو العراق الذي جزم بأن قوات الاحتلال الأمريكي يصعب ان تغادره قبل اثني عشر عاما في ظل شعاراتها المرفوعة بالهيمنة علي النفط.. وحتي لمستقبل الانتخابات الأمريكية حين أوضح أن المجتمع هناك لم يستسغ بعد فكرة القبول بمرشح ‘ملون’ أو ‘سيدة’ لتولي سدة الحكم.. ليؤشر بذلك الي تراجع فرص ‘باراك أوباما’ و’هيلاري كلينتون’.. مع زيادة فرص ‘جون ماكين’ الجمهوري الأكثر تطرفا من ‘بوش’.. ليذيقنا ويلاته لسنوات أربع قادمة.
ما قاله ‘هيكل’ في الندوة النادرة التي دار من حولها النقاش في نادي القضاة النهري هي عنوان لأزمات تكرست.. ومشكلات استفحلت.. وواقع داخلي يتجه نحو ‘الشدة’ كما وصف ‘الاستاذ’ مؤشرات الاوضاع في مصر بعد أن الحى عليه الزميل ‘مجدي الجلاد’ رئيس تحرير ‘المصري اليوم’ ان يدلي بدلوه في مستقبل مصر خلال السنوات الثلاث المقبلة والتي توصف ب ‘العجاف’.
• • •
كان من أخطر ما تحدث به ‘الأستاذ’ وهو يتحدث عن أحوال العالم العربي، وأزماته المتفاقمة هو وصفه الجديد لما يجري وتشبيهه بتجربة ‘الأندلس’.. خاصة حين قال: ‘إن هذه اللحظة في عالمنا العربي تذكرني، وبقسوة، بتجربة ‘الاندلس’.. مرحلة ملوك الطوائف، والتقاتل علي الغنائم، والانبهار بالأجنبي، والانانية الشديدة والتهافت علي المصالح.. خاصة حدوث الغيرة والخلاف بين القادة السياسيين والقادة العسكريين وظهور التهافت علي الزواج بالأسبانيات الأمر الذي قاد إلي نوع من أنواع الإلهاء والترف في بناء القصور الضخمة .. هذا ما ادي الي تشقق ‘الاندلس’ وهذا ما نراه اليوم من تهافت علي الغنائم وانبهار بالأجنبي وغفلة عن الحقائق والأنانية الشديدة والضعف الذي يعتري جسد الأمة.
وبعد أن أشار الأستاذ ‘هيكل’ إلي خطورة سير الأمة في وضعها الراهن علي هذا المنحني الهابط.. راح يخاطب الحاضرين حول القضايا التي يفضلون ان يبدأ بها حواره.. مشيرا إلي أنه يعتبر أن ازمة لبنان الجارية هي الأحدث، والأكثر حاجة الي الشرح والتدليل.. غير أن المستشار ‘زكريا عبد العزيز’ رئيس نادي القضاة طلب منه أن يقود الحديث بداية عن أوضاع جنوب مصر.. ويقصد الأشقاء في جنوب الوادي.. في السودان الشقيق الذي يعاني مشكلات لا أول لها ولا آخر.. فبدأ بالفعل في الحديث عن السودان قائلا: إنه كيان غير قابل للبقاء كما هو عليه الآن.. لأنه كيان جغرافي جمعته الفتوحات أيام ‘محمد علي’ و ‘الخديو إسماعيل’.. لكنه كيان ليس هناك رابط بين أجزائه.. لقد تم تقسيم السودان الي أربع مناطق.. في الشمال والجنوب والشرق والغرب.. حيث كانت تلعب مصر دورا في الشمال، فيما جذب الشرق الأفريقي الجنوب باتجاهه.. بينما لعبت إثيوبيا علي الشرق.. أما تشاد فقد اختارت ان تجذب الغرب نحوها.. وفي النهاية أصبح وضع السودان علي هذا النحو.. وهو ما يستدعي الحديث عن مشاكله التي رأي ‘الاستاذ’ انها لن تحل من خلال الوسائل والأدوات الجارية حاليا.. خاصة أن بعض الحركات لها أصولها مثل حركات التمرد في دارفور وكذلك الحركات في الشرق والشمال.. وعلي ضوء ذلك فإن مشاكل السودان مقبلة علي عملية جراحية لا محالة كما وصف ‘الاستاذ’.
أما لبنان.. البلد الخارج لتوه من أزمة خطيرة كادت تعصف به تماما.. فهو بلد ليس به ديمقراطية كما يقال.. لكن به ما هو أهم.. وهو الشرعية.. خاصة أن الأوضاع الخاصة في هذا القطر كما هو حال المسيحيين الذين يحقق لهم الاتفاق رئاسة الدولة.. فإن هذا الوضع لا يتحقق بالديمقراطية .. بل بالتراضي.. لأن الشرعية هنا هي اهم من القانون الذي لا يمكن أن تقوم له قائمة الا اذا ارتكز علي الشرعية.
وقال ‘هيكل’: إن مسيحيي الشرق لعبوا دورا هاما.. إلا أن المسيحيين الموارنة تناقصوا من 42٪ إلي 20٪ الآن، مشيرا في هذا الصدد إلي أن لبنان دخل العديد من الحروب الأهلية التي انتهت الي ما عرف باتفاق الطائف.. وموضحا في هذا الصدد - أيضا أن رئيس الوزراء الراحل ‘رفيق الحريري’ ابلغه في باريس وفي حضور مستشاره ‘غسان سلامة’ ان رئاسة الوزراء في لبنان كلفته نحو مليار دولار.
وتحدث ‘هيكل’ عن ‘رفيق الحري













