ثم جاءت خطوة رفع الفوائد المصرفية لتحكم الطوق والحصار.
وصل سعر الفائدة علي الدولار في بعض الأوقات إلي أكثر من عشرين في المائة، وبهذا المستوي فإن نقد العالم السائل كله بدأ يتجه إلي الدولار دون حاجة إلي جهود ومخاطر الاستثمار.
كانت الولايات المتحدة تملي أولوياتها علي الجميع:
* كانت تستدين من الآخرين - بصرف النظر عن رضاهم، وبواسطة الـ «يورو دولار» - بما وصل حجمه إلي تريليون دولار، وأدي ذلك - ضمن ما أدي - إلي تضخم رهيب!
* وكانت فوائض أموال البترول - سواء ما يخص أمريكا نفسها وما يخص العرب - رصيدًا مضافًا إلي ما عندها.
* ثم إن رفع سعر الفائدة علي الدولار جعل نقد العالم السائل كله يتدفق علي الولايات المتحدة، دون مراجعة أو تحفظ!
* وبالارتفاع الجنوني في أسعار الفائدة، فإن إمكانيات الاستثمار في المجالات الطبيعية والعادية للتنمية أصبحت مشلولة، وساد كساد أضيف به هَمّ البطالة إلي هَمّ التضخم، ولم تقتصر الهموم علي أوروبا فقط، وإنما وصلت بعض آثاره إلي شطآن الولايات المتحدة نفسها.
والمهم في ذلك كله - من وجهة نظر هذا الحديث - أن الولايات المتحدة أصبحت في وضع يسمح لها، ليس فقط بتسخين حركة سباق السلاح، ولكن بدفعه إلي درجة الغليان.
أتذكر - يا سيادة الرئيس - واحدًا من أبرز ساسة أوروبا الغربية - وأغفل عمدًا ذكر اسمه، حتي لا أتسبب في إحراج له، إذا أنا نشرت علي لسانه دون استئذانه - قال أثناء حوار طويل بيننا، بلهجة فيها من الأسي أكثر من الغضب:
«كنا في أوروبا قد تنفسنا الصعداء عندما وقّعَت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي (نيكسون وبريچنيف) معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيچية، تصوَّرنا أن هذا الشد والجذب الذي يكاد يصل بنا إلي حافة الجحيم، سوف يهدأ ويمنح أعصابنا إجازة تستريح!
لكن الخطوات الأولي تعثرت، وكان ذلك في الواقع رجوعًا إلي الوراء.
فقد تأكد أن الولايات المتحدة مازالت مصممة علي إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته، وجرّه رغم أنفه إلي سباق للتسلح يقتص بطريقة خرافية من اعتمادات التنمية والرفاهية، حتي يثور الشعب السوفيتي، وتثور شعوب الكتلة السوفيتية، وليكن أن أصدقاءنا في واشنطن مقتنعون بهذه السياسة، التي تحقق بالموارد الاقتصادية ما لم تعد تستطيع تحقيقه مخزونات الأسلحة النووية، ليكن، أليس من حقنا أن نسألهم:
* متي تثور شعوب الاتحاد السوفيتي وشعوب الكتلة الشرقية؟ متي، والنظم هناك عنيفة وقادرة؟
* ماذا سيحدث لنا نحن خلال هذا كله، إذا أصاب الضرر أوروبا الغربية قبل الكتلة السوفيتية؟ يكفي أي إنسان أن يلقي الآن نظرة علي مشكلة البطالة عندنا، المتوسط العام في أوروبا الغربية كلها حوالي ١٢ في المائة - وما هو الحل؟
* ثم أي ثمن سوف تدفعه الولايات المتحدة نفسها في النهاية، إنهم هناك أغنياء، لكنهم سوف يواجهون الإفلاس أيضًا، وربما ذهب الاتحاد السوفيتي قبلهم، ولكن ماذا يفيدهم إذا كانوا أول أو آخر من يصل إلي الكارثة؟، كلنا سوف نصل إلي الكارثة. من دواعي الأسف أن غِناهم يصوِّر لهم أنهم قادرون علي تفادي الكارثة في الساعة الأخيرة، لكني أشك في ذلك.
* ثم إني أريد أن أسألهم: كيف يكون تصرف القادة السوفييت عندما يرون أن الخطر محدق بهم؟ ومن يضمن لنا أنهم في تلك اللحظة الحاسمة لن يقْدِموا علي المحظور، وليكن ما يكون؟
كانت تلك وساوس واحد من أبرز ساسة أوروبا، ولا أظنه الوحيد بينهم.
وربما زعمت - يا سيادة الرئيس - أن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن المناورات التي أدت إلي سقوط حكومة «هيلموت شميت» في ألمانيا الغربية، لأن «شميت» كان واحدا من الذين ضاق صبرهم بالسياسات الأمريكية، ولعل يأسه من قدرته وقدرة غيره علي التأثير في هذه السياسات كان - فوق ذلك - واحدًا من أهم دوافعه إلي اعتزال الحياة العامة في ألمانيا الغربية، وإصراره علي الابتعاد كلية!
ولقد كان الاتفاق علي مد أنابيب خطوط الغاز الطبيعي من سيبيريا - في الاتحاد السوفيتي - إلي أوروبا الغربية، هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
عارضت أمريكا هذه الصفقة، وفرضت عقوبات علي أطرافها من حلفائها الأقربين.
كان رأيها أن مبيعات الغاز الطبيعي لأوروبا سوف توفر للاتحاد السوفيتي سنويا عشرة بلايين من الدولارات، وهذا من شأنه أن يفتح ثغرة في الطوق، الذي يضيق يومًا بعد يوم.
ثم إن هذا الخط يجعل أوروبا الغربية - بمصالحها - وثيقة الصلة مع الاتحاد السوفيتي، وهذا من شأنه أن ينعكس علي سياسات الأمن، بما يؤدي إلي إعادة النظر في ميزانيات التسليح الأوروبية.
وحين شكا حلفاء أمريكا من ضيقهم بحظر تفرضه عليهم أمريكا، لاشتراكهم - وفق اتفاق تجاري - في تقديم بعض المعدات لخط أنابيب سيبيريا - في حين تقوم هي في نفس الوقت ببيع القمح للسوفييت - كان رد الرئيس «ريجان»:
«نعم، ولكننا بمبيعات القمح لهم نستنزف منهم أموالاً ولا نعطيهم أموالاً، ثم إننا نُظهر أمام جماهيرهم عجز أنظمتهم عن توفير الطعام لهم، ما نفعله نحن داخل نطاق خطتنا، وما يفعله أصدقاؤنا في أوروبا خارج نطاق الخطة»!
ولقد اضطر «ريجان» أخيرًا إلي تراجع تكتيكي برفع الحظر عن الشركات الأوروبية المتعاونة في خط أنابيب غاز سيبيريا.
لكنه تراجع تكتيكي، أما الاستراتيچية التي أملته فهي مازالت هناك!
* * *
سيادة الرئيس..
بصرف النظر عن الخطة الأمريكية، والأسباب والقوي التي فرضتها، والعواقب والآثار التي انتهت إليها، فإن أي مراقب محايد لا يسعه إلا أن يوافق علي أن «الخطة الأمريكية» حققت قدرًا لا بأس به من النجاح، تكاليفه غالية، ومخاطره قاتلة، فضلاً عن أن النتائج علي المدي البعيد غير مؤكدة - لكن الواقع الراهن - كما هو هذه الساعة - يشير بوضوح إلي أن الاتحاد السوفيتي يواجه أزمة كبري.
إن الاتحاد السوفيتي بلد ضخم بموارده المحتملة، كما أن كفاءته في التخطيط لتنمية هذه الموارد يمكن أن تزيد - لكنه يتعرض في تجربته لعملية نزيف مستمر:
١- كان عصر «ستالين» هو عصر بناء الصناعات الثقيلة في الاتحاد السوفيتي، وكانت هذه الصناعات قاعدة راسخة للتقدم، ومع أن التضحيات الإنسانية التي دفعت فيها كانت مروعة، إلا أن القاعدة جري بناؤها بنجاح، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وأصاب هذه القاعدة دمار ثقيل، إلي جانب التضحيات الإنسانية، لأن تلك الحرب كلفت الاتحاد السوفيتي ٢٢ مليونًا من القتلي، هم بالتأكيد جزء مؤثر من طاقته المنتجة.
٢- وحين عاد الاتحاد السوفيتي يعيد بناء قاعدته، ويحقق معدلات نموذجية في النمو، هبت عليه رياح الحرب الباردة، وفي أعقابها عاصفة سباق التسلح - نووي وتقليدي. وكان الاتحاد السوفيتي مازال أسير الشعور القديم الموروث من روسيا القيصرية، وهو الشعور بالعزلة والبُعد عن المركز المشع للحضارة الأوروبية، فقد كان هذا المركز يتحرك طوال قرنين بين «لندن» و«باريس» و«فيينا» و«استانبول»، في حين بدت «موسكو» وكأنها الريف البعيد عن عواصم النور، وحتي في عصور الازدهار الروسي - عصر بطرس الأكبر وكاترين العظيمة - فإن الازدهار الروسي بدا محاولة لا بأس بها من «البندر» لتقليد «المدينة».
٣- والواقع أن الاتحاد السوفيتي كان أضعف من منافسيه لأسباب:
- فذلك البلد - للإنصاف - لم يستفد من عصر الاستعمار قديمه أو جديده، وبالتالي فإنه كان يدفع أعباءه بنفسه ولا يملك وسيلة - حتي لو أراد - ليجعل غيره يدفع عنه بعض أعبائه. صحيح أن روسيا القيصرية توسعت بحدودها من جبال الأورال إلي شواطئ المحيط الهادي، لكن ذلك لم يكن استعمارًا بالمعني المتعارف عليه.
وكذلك وجد الاتحاد السوفيتي - حفاظًا علي نطاق أمنه المباشر - أن يساعد دول أوروبا الشرقية حتي تستطيع أن تقف معه أمام هبوب رياح الحرب الباردة.
بل إن الاتحاد السوفيتي وجد نفسه في وضع يفرض عليه مساعدة العالم الثالث الذي تعرَّض لاستعمار الغرب، وتحولت هذه المساعدات إلي عبء إضافي.
والنتيجة أن المواطن السوفيتي الذي كان يحلم بجنة الشيوعية، وجد نفسه محرومًا أكثر من غيره.
وكان محبطًا لهذا المواطن أن يذهب إلي «وارسو» و«بودابست» و«بوخارست» و«صوفيا» و«بلجراد» - فإذا بعض مظاهر الرخاء والرفاهية موجودة هناك بأكثر مما هي موجودة في وطن الشيوعية الأول!
٤- إن الاتحاد السوفيتي اضطر فعلاً إلي تغيير أولوياته، وقفز التسليح ليصبح الأولوية الأولي، وإذا كانت الولايات المتحدة تصرف
المزيد